حين نتحدث عن الذاكرة الوطنية الجزائرية، غالبا ما تتّجه الأنظار إلى الوثائق الرسمية، والكتب التاريخية، والشهادات التي خلّفها رجال الثورة والحركة الوطنية، غير أنّ جزءا مهما من هذه الذاكرة ظل محفوظا في مؤسّسات اجتماعية وثقافية ودينية أدّت، على امتداد قرون، وظيفة تتجاوز حدود التعليم والعبادة.
تأتي الزوايا في مقدمة هذه المؤسّسات، بما راكمته من تراث علمي وروحي واجتماعي، وبما احتفظت به من وثائق ومخطوطات وسير وروايات شفوية شكّلت جزءا من الذاكرة المحلية والوطنية.
كانت الزاوية، في كثير من مناطق الجزائر، مدرسة ومكانا للعبادة وفضاء للتكوين والإرشاد ومركزا للتواصل الاجتماعي. وفيها تعلّم أبناء الأجيال المتعاقبة القرآن واللغة العربية والفقه وعلوم الحساب، وغيرها من المعارف التي كانت متاحة في ذلك الزمن. ومن خلال هذا الدور التعليمي، لم تكن الزوايا تنقل المعرفة فحسب، وإنما كانت تنقل معها منظومة من القيم والعادات وأنماط التفكير، فتحافظ بذلك على استمرارية ثقافية في مجتمع تعرّض، خلال الحقبة الاستعمارية، لمحاولات متواصلة لطمس مقومات هويته.
ولم يقتصر دور الزوايا على التعليم الديني، فقد ارتبطت في مناطق عديدة بالحياة اليومية للسكان، من خلال الإمامة والفتوى وتوثيق عقود الزواج والطلاق والبيع والهبّة، وإصلاح ذات البين، ومساعدة المحتاجين. ولذلك فإنّ ما خلّفته هذه المؤسّسات من سجلات وعقود ومخطوطات ومراسلات ليس مجرّد تراث ديني، وإنما يمثل مادة تاريخية يمكن أن تكشف جوانب من الحياة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمع الجزائري.
وتكتسب هذه الوظيفة أهمية أكبر عند النظر إلى علاقة الزوايا بالمقاومة والحركة الوطنية والثورة التحريرية. فقد وجد الاستعمار في هذه المؤسّسات حاضنة للهوية، بينما وجد فيها المجتمع فضاء يحفظ لغته وتعليمه وشخصيته الثقافية. وفي مراحل الثورة، انخرط عدد من رجال الزوايا والعلماء في دعم المقاومة بمختلف الأشكال، من التعليم والإرشاد إلى التوثيق والقضاء والإسناد الاجتماعي. وهكذا أصبحت بعض الزوايا جزءا من شبكة اجتماعية حافظت على تماسك المجتمع في ظروف شديدة القسوة.
غير أنّ الذاكرة التي تحفظها الزوايا لا توجد في الكتب وحدها. إنها موجودة أيضا في خزائنها، وفي المكتبات العائلية المرتبطة بها، وفي المصاحف والمخطوطات القديمة، وفي العقود التي كتبها العلماء، وفي الهوامش التي كانوا يسجّلون فيها تواريخ القراءة والشراء، وفي الروايات التي تناقلتها الأجيال عن أحداث المقاومة والثورة. وقد تبدو بعض هذه التفاصيل صغيرة، لكنها بالنسبة للباحث تمثل شواهد ثمينة على الحياة اليومية وعلى طبيعة المجتمع في مراحل مختلفة من تاريخه.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى التعامل مع تراث الزوايا، باعتباره جزءا من الذاكرة الوطنية التي تستحق الجمع والدراسة والحفظ. فالمخطوط الذي يوجد في خزانة خاصة، والعقد القديم الموجود في بيت عائلة، والرواية التي يحتفظ بها أحد كبار السن، قد يحمل كل منها معلومة لا توجد في المصادر الرّسمية.
إنّ حفظ هذا التراث لا يعني تمجيد الماضي أو تجميده، وإنما تحويله إلى مادة للبحث العلمي، وربط الذاكرة المحلية بالتاريخ الوطني العام. فالجزائر لا تحفظ تاريخها في الأرشيفات المركزية وحدها، وإنما تحفظه أيضا في القرى والمدن والمساجد والزوايا والبيوت، وفي ذاكرة الأسر التي تناقلت العلم والشهادة والخبرة جيلا بعد جيل.
ولهذا فإنّ إنقاذ أرشيف الزوايا، ورقمنة مخطوطاتها، وجمع الروايات الشفوية المرتبطة بها، وتصنيف وثائقها ودراستها، يمثل استثمارا في الذاكرة الوطنية. فكل وثيقة تُنقذ من الضياع، وكل شهادة تُسجّل، وكل مخطوط يُفهرس، يضيف صفحة جديدة إلى تاريخ الجزائر ويمنح الأجيال القادمة فرصة لفهم ماضيها من مصادره المحلية الحية.






