اعتبر الباحث والأكاديمي في علوم الترجمة الدكتور صلاح الدين بن ديميع، أنّ الترجمة كانت ولازالت الجسر الذي تعبّرُ الثقافات بواسطته، ويتفاهم النَّاسُ فيما بينهم، وتتحقَّق معاملاتهم التجارية والاقتصادية والدبلوماسية، ويتبادلون فيما بعد الأفكار والقيم والعلوم والمعارف؛ ومن هنا تكمن أهمّية الترجمة في عملية التواصل والتبليغ في ظل الثراء اللغوي والثقافيّ.
يقول الباحث بن ديميع في حديثه لـ«الشعب”، إنّ الترجمة أسهمت في انتشار الأدب والفلسفة والطب بين الأمم، ومكّنت من التعرّف على فلسفة أرسطو، والآداب العالمية التي ترجمت إلى العربية، مشيرا إلى أنّ الترجمة في جوهرها عملية تواصل إنساني وحضاري، لأنها تتيح للإنسان أن يتجاوز الحدود التي تفرضها اللّغات، وأن يكتشف تجارب الشعوب وأفكارها وآدابها وعلومها رغم اختلاف اللّغات وأنظمتها وتاريخها وخصائصها.
ويرى بأنّ الترجمة وعاء للذاكرة الإنسانية، مبرزا أنه عندما نترجم نصا أدبيا أو فلسفيا أو علميا، فإننا لا ننقل ألفاظه فحسب، بل نحاول أن ننقل العالم الذي نشأ فيه ذلك النص إلى قارئ ينتمي إلى عالم مختلف لغويا وثقافيا، ومن هنا تأتي أهمية المترجم باعتباره وسيطا بين الثقافات؛ فهو يعرّف الآخر بنا ويتيح لنا في الوقت نفسه أن نتعرّف على الآخر ونتعايش معه، بعد أن نعرفه ونستكشف طريقته في التفكير وفي رؤية للعالم.
واستشهد في ذات السياق، بالتجربة العربية واسهاماتها في العصر العباسي في تقديم نموذج بالغ الأهمية، حيث شهدت حركة الترجمة آنذاك يقول “نشاطا واسعا، ولا سيما في عهد الخليفة المأمون، حيث تُرجمت إلى العربية مؤلّفات في الفلسفة والطب والفلك والرياضيات وغيرها من اللغات، وخاصة اليونانية والسريانية والفارسية، ومن الأسماء البارزة في هذه الحركة حنين بن إسحاق، الذي كان له إسهام كبير في ترجمة المؤلفات الطبية والفلسفية ولا سيما مؤلفات جالينوس”، ليضيف: “كما ارتبطت بيت الحكمة في بغداد بصورة رمزية ومهمة بهذا النشاط العلمي والترجمي، ولم تكن أهمية هذه الحركة في مجرّد نقل الكتب من لغة إلى أخرى بل في أن العربية أصبحت آنذاك لغة قادرة على استيعاب علوم ومعارف وافدة، وإعادة إنتاجها وتطويرها والإضافة إليها”.
بالمقابل، أتاحت الترجمة للأدب العربي فرصة الوصول إلى قرّاء خارج العالم العربي، فقد تُرجمت، بحسبه، أعمال أدباء عرب إلى لغات عديدة، ومن بينهم نجيب محفوظ، الذي أسهم حصوله على جائزة نوبل للآداب في زيادة الاهتمام العالمي بالأدب العربي، وكذلك تُرجمت أعمال طه حسين، محمود درويش والطيب صالح وغسان كنفاني وغيرهم إلى لغات متعدّدة، وقبل ذلك تُرجم كتاب ألف ليلة وليلة، وديوان المتنبي ورباعيات الخيام إلى اللغات الأوروبية.
واعتبر المتحدث هذا الجانب مهم جدا؛ لأنّ الترجمة تجعل الأدب العربي قادرا على الحوار مع الآداب العالمية، فالنص الأدبي العربي حين يصل إلى قارئ لا يعرف العربية، يصبح وسيلة لتعريفه بجوانب من التاريخ والمجتمع والخيال والثقافة العربية، التي قد لا يستطيع الوصول إليها مباشرة. وأضاف أنه لعل أجمل ما يمكن أن نقوله عن الترجمة هو أنها حوار بين الثقافات، حيث أنّ المترجم لا يعمل بين قواميس فقط، وإنما يعمل بين سياقات وثقافات وذاكرات، فكلمة واحدة قد تحمل في لغة معينة إيحاءات تاريخية أو دينية أو اجتماعية لا يمكن نقلها حرفيا إلى لغة أخرى. متحدّثا عن معاير وضوابط مهمة تميّز الترجمة الناجحة وتساهم في الحفاظ على روح الترجمة، مثل المفاهيم العربية ذات الحمولة الثقافية مثل “الجاهلية”، و«الزكاة”، و«الوقف”، و«الديوان”، و«العصبية”، فترجمة هذه المفاهيم لا تحتاج معرفة معجمية فحسب، وإنما تتطلّب معرفة السياق الحضاري الذي نشأت فيه، وبالمثل يقول: “عندما يترجم المترجم نصا من لغة أجنبية إلى العربية، فإنه يواجه مفاهيم قد لا يكون لها مقابل مباشر في الثقافة العربية، فيضطر إلى البحث عن المقابل المناسب أو إلى الشرح أو التعويض أو إعادة الصياغة، وهنا يتجلّى إبداع المترجم؛ فهو ليس ناقلا آليا، وإنما قارئ عميق للنص وكاتب يعيد بناءه في لغة أخرى، مع محاولة الحفاظ على روحه ومعناه وأسلوبه”.







