الإمـارات تمـوّل التنظيمــات الإرهابيـة علـــى حســاب أمـن منطقــــة السّاحـــل
تعيد قضية الفدية المرتبطة بتحرير أحد أفراد الأسرة الحاكمة في دبي، طرح العلاقة بين صفقات الإفراج عن الرهائن واستمرار الإرهاب في منطقة السّاحل، بعدما كشفت تقارير أممية وتحقيقات صحفية مستقلة عن وصول ملايين الدولارات إلى جماعة إرهابية مرتبطة بتنظيم القاعدة الإرهابي في منطقة الساحل الأفريقي.
وأكّدت المصادر ذاتها أنّ «دويلة الشرّ»، دفعت فدية معتبرة لتحرير الرهينة، ما يعزّز التنظيم الإرهابي في الساحل ومالي تحديدا.
تعود الوقائع، بحسب تقرير بثه التلفزيون العمومي، إلى 26 سبتمبر 2025، عندما هاجم إرهابيون مزرعة جنوب باماكو واختطفوا ثلاثة أشخاص، بينهم أحمد بن مكتوم بن جمعة آل مكتوم، أحد أفراد الأسرة الحاكمة في الإمارات، الذي كان ينشط في تجارة المعادن بمالي، واستعاد الرهائن حريّتهم في أواخر أكتوبر، بعد مفاوضات انتهت بصفقة مالية كبيرة.
وكشفت «وول ستريت جورنال» نقلًا عن مسؤولين غربيّين، أنّ الإمارات دفعت أكثر من عشرين مليون دولار للإفراج عن الأمير المختطف، وأضافت أنّ الصفقة شملت إطلاق عشرات الإرهابيين المسجونين في مالي، فيما أورد خبراء الأمم المتحدة تقديرًا أعلى للفدية، بلغ نحو خمسين مليون دولار، ومع اختلاف التقديرات، يوضّح حجم المبلغ ما يمكن أن توفّره عملية اختطاف واحدة من موارد لتنظيم مسلّح.
وفي التقرير الأممي الصادر في فيفري 2026، أشار الخبراء إلى اختطاف فرد من أسرة حاكمة في إحدى دول مجلس التعاون الخليجي، وإلى معلومات عن فدية تقارب خمسين مليون دولار، لتبقى الاستفادة المالية للتنظيم العنصر الأبرز، بالمعطيات التي عرضها التقرير.
وتتّضح الأبعاد الأمنية للصفقة في التقرير الثامن والثلاثين لفريق الرصد، الصادر في 10 أوت 2026، إذ أوضح أنّ معظم الفدية توزّع بين كتائب -نصرة الإسلام والمسلمين- وأنّ هذه الموارد أدت دورًا رئيسيًا في تمويل هجومها الواسع في مالي فيما بعد، كما أشار إلى تخصيص جزء كبير منها لتنظيم ما يُسمى «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، بما يوسّع دائرة المستفيدين من الأموال على مستوى السّاحل.
وبالنسبة إلى الجهة التي دفعت الفدية، نقلت وكالة «رويترز» عن ثلاثة مصادر إقليمية أنّ الإمارات صاحبة الدفع، وتكشف هذه المعطيات مشكلة أمنية كبيرة تتجاوز ظروف تحرير الرهائن، فالأموال الضّخمة التي تصل إلى التنظيم تمنحه قدرة على مواصلة نشاطه الإجرامي وتعويض خسائره وتوسيع التجنيد بين الشباب، ويقدّر التقرير الأممي عدد عناصر هذا التنظيم الإرهابي بما بين سبعة وثمانية آلاف فرد، يوجد نحو نصفهم في مالي، ما يوضّح حجم التنظيم المستفيد من الصفقة واتّساع الاحتياجات التي يمكن لهذه الأموال تغطيتها.
كذلك، يضاعف توزيع الفدية بين عدة كتائب صعوبة احتواء آثارها، لأنّ المورد المالي يصبح متاحًا لوحدات تعمل في مناطق مختلفة وعدة دول أحيانا، ويدعم قدرتها على التحرّك والاستمرار، ويضاف هذا التمويل إلى موارد الجماعة من الابتزاز والتهريب وفرض الإتاوات، بما يجعل الفدية عاملًا يعزّز نشاطها ضمن منظومة تمويل تتداخل فيها عائدات الجريمة المنظمة مع احتياجات العمليات الإرهابية.
الجزائر وتجريم الفدية.. حماية أمن المنطقة
في سياق متّصل، يفسّر هذا المسار تمسّك الجزائر منذ سنوات بتجريم دفع الفدية تحت أي ظرف أو سبب، انطلاقًا من أنّ نجاح عملية اختطاف يشجّع على تكرارها بشكل مستمر، ويمنح الجماعات المسلّحة موارد مالية ضخمة تستعملها في عملياتها ضدّ الأفراد ومؤسّسات الدولة، وقد دعت الدبلوماسية الجزائرية منذ سنوات، إلى تعزيز الإطار الدولي وتجريم هذه المدفوعات، وربطت بين تجفيف التمويل وتقليص قدرة الإرهاب على الاستمرار.
وعلى المستوى الإفريقي، أدان الاتحاد الإفريقي في قمة سرت، خلال جويلية 2009، دفع الفدية للجماعات الإرهابية، وطالب باعتبارها جريمة، ودعا مجلس الأمن إلى اتخاذ قرار يعزّز الإطار القانوني لمواجهتها، وهو موقف يعكس إدراك الدول الإفريقية أنّ الكلفة الأمنية للصفقات لا تنتهي باستعادة الرهائن حريّتهم، وإنما تستمر داخل البلدان التي تنشط فيها الجماعات المستفيدة.
كما استضافت الجزائر، بالتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية، اجتماع خبراء في أفريل 2012 لإعداد ممارسات تساعد الدول على منع الاختطاف وحرمان الإرهابيين من عائداته، وشكّلت «مذكّرة الجزائر» مرجعًا لهذا العمل، وأكّدت الجمع بين سلامة الرهائن والتعاون الأمني والدبلوماسي والمالي، بما يحول دون إهمال حياتهم أو التعامل مع دفع الأموال بوصفه مخرجًا بلا عواقب.
وتوصي المذكّرة بتبادل المعلومات بين أجهزة الأمن ووحدات الاستعلام المالي، وتدريب فرق متخصّصة على التحقيق في الاختطاف، وإشراك القطاع الخاص والعام في فهم مخاطر الفدية، وتعزيز قدرات الدول المعرّضة لها.
وفي امتداد لهذا المسار الدولي، دعا مجلس الأمن في قراره 2133، الصادر في جانفي 2014، الدول إلى منع استفادة الإرهابيّين، مباشرة أو بصورة غير مباشرة، من الفدية والتنازلات السياسية، مع تأمين الإفراج الآمن عن الرهائن، وتبرز القضية الحالية الفجوة بين هذه الالتزامات وبين الصفقات التي تتيح للتنظيمات تحصيل موارد كبيرة رغم منظومة مكافحة التمويل.
ويقتضي التعامل الجدي مع الملف توضيح مسار الدفع والوسطاء والضمانات التي اتخذتها الجهات المعنية لمنع وصول الأموال إلى التنظيم، فالإقرار العام برفض الإرهاب لا يجيب عن الأسئلة التي تثيرها تقارير تصف استفادته المالية، كما أنّ غياب التفاصيل العلنية يجعل التحقيق والتعاون بين الدول ضروريّين لتحديد المسؤوليات على أساس أدلة قابلة للفحص.
بالنسبة إلى الجزائر ودول الساحل، تؤكّد هذه القضية أنّ مكافحة الإرهاب تتطلّب اتّساق السلوك المالي مع الالتزامات السياسية، فدول المنطقة تتحمّل نتائج تعزيز قدرات الجماعات من طرف دول بعيدة تؤكّد التقارير الدولية تورّطها في دعم هذه الجماعات عبر دفع الفدية.

