فهـــم السائـــح وتطويـــر الخدمـات والتكويـــن.. شــرط لمواكبــة التحـول
تصميم مسارات وبرامج سياحية تتناسب مع طبيعة كل منطقة
أكد الخبير والاستشاري في السياحة زهير مقداد، أن الرقمنة والذكاء الاصطناعي يفتحان آفاقا جديدة أمام القطاع السياحي، ويساهمان في إعادة تصور طريقة الترويج للوجهات وتطوير الخدمات وتحسين تجربة السائح، مبرزا في الوقت نفسه أهمية الاستثمار في الكفاءات والموارد البشرية لمواكبة هذا التحول.
وأوضح مقداد، بمناسبة اليوم العالمي للسياحة المصادف لـ 27 سبتمبر، أن شعار هذه السنة “الرقمنة والذكاء الاصطناعي لإعادة تصور السياحة” يعكس التحولات التي يعرفها القطاع السياحي، مشيرا إلى أن التكنولوجيا والبيانات والابتكار أصبحت عناصر أساسية في تطوير الوجهات وتحسين الخدمات، وقال إن السائح اليوم “لم يعد يبحث فقط عن وجهة جميلة”، بل يريد الوصول إلى المعلومة بسرعة، ومقارنة الخيارات المتاحة، والحجز والدفع إلكترونيا، والحصول على خدمات أكثر مرونة تتلاءم مع احتياجاته.
وأضاف أن الرقمنة لم تعد تقتصر على استعمال التكنولوجيا، بل أصبحت جزءا من منظومة التنافسية السياحية، بداية من الترويج للوجهة، مرورا بالحجز والتسويق وإدارة الخدمات، وصولا إلى متابعة رضا السائح وتحليل احتياجاته.
وفي حديثه عن الذكاء الاصطناعي، أوضح الخبير أن هذه التكنولوجيا أصبحت أداة يمكن توظيفها في مختلف مراحل العملية السياحية، بداية من البحث عن الوجهة وتصميم الرحلة، وصولا إلى التسويق وتحسين الخدمات، وقال “إن الأنظمة الذكية يمكن أن تساعد المؤسسات السياحية على فهم اهتمامات الزوار وسلوكهم، ومعرفة ما يبحثون عنه وما يفضلونه، وهو ما يسمح، بحسبه، بتطوير عروض وبرامج أكثر ملاءمة لمختلف الفئات”.
وأضاف أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم كذلك في تصميم مسارات وبرامج سياحية تتناسب مع طبيعة كل منطقة، سواء تعلق الأمر بالسياحة الصحراوية، أو الجبلية، أو الساحلية، أو الحموية، أو الثقافية.
كما أشار إلى إمكانية الاستفادة من الأدوات الذكية في التسويق والترويج، من خلال تحليل الأسواق، وتحديد الفئات المستهدفة، وإعداد المحتوى وتطوير الحملات الرقمية.
وأوضح مقداد أن هذه التقنيات يمكن أن تجعل تجربة السائح أكثر سهولة، من خلال المساعدات الرقمية والرد على الاستفسارات وتوفير المعلومات والترجمة، قبل الرحلة وأثناءها وبعدها.
وبخصوص السياحة الجزائرية، قال الخبير “إن الجزائر تتوفر على تنوّع كبير في المقوّمات السياحية، من الساحل إلى الجبال والصحراء والواحات والحمامات المعدنية، إضافة إلى رصيد ثقافي وتراثي غني”، مضيفا أن التحدي لا يكمن فقط في امتلاك هذه المقومات، وإنما في القدرة على تحويلها إلى منتجات سياحية قابلة للتسويق، وسهلة الوصول، وتستجيب لتطلعات السائح المعاصر.
وأوضح أن توظيف الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد الجزائر في تطوير طرق تقديم وجهتها السياحية وتسويقها، مشيرا إلى إمكانية إنشاء حلول ذكية تمكن السائح من اكتشاف الوجهات واختيار البرامج والوصول إلى مختلف المعلومات والخدمات.
وأكد أن المؤسسات السياحية يمكنها بدورها الاستفادة من البيانات والتقنيات الحديثة لتحسين الأداء ورفع جودة الخدمات وفهم احتياجات الأسواق.
وشدّد مقداد على أن التكنولوجيا وحدها لا تصنع سياحة ناجحة، موضحا أن الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى موارد بشرية مؤهلة، ومهارات رقمية، وبيانات موثوقة، وبنية رقمية فعالة، ومؤسسات قادرة على الابتكار، إلى جانب ضوابط تضمن الاستخدام المسؤول للتكنولوجيا وحماية البيانات.
وقال إن “الإنسان يبقى في قلب العملية السياحية”، لأن المرشد السياحي لا يقدم المعلومات فقط، وإنما ينقل المعرفة والثقافة ويخلق تواصلا إنسانيا مع الزائر، مضيفا أن موظف الفندق والوكيل السياحي وباقي العاملين في القطاع يساهمون في صناعة تجربة السائح، ولذلك فإن الذكاء الاصطناعي، بحسبه، ينبغي أن يكون أداة لتمكين العامل السياحي ورفع كفاءته، وليس لإلغاء دوره.
وفي هذا الإطار، أكد الخبير أهمية إعادة تطوير منظومة التكوين السياحي، حتى يتمكن العاملون والمهنيون من استخدام التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي بشكل فعّال، موضحا أن المهني السياحي في المستقبل يحتاج إلى الجمع بين المعرفة السياحية المتخصصة والمهارات الرقمية، إلى جانب اللغات والتواصل بين الثقافات والتسويق الرقمي وصناعة المحتوى، وإدارة الأزمات، وخدمة الزبون، والابتكار.
وأشار إلى أن التحول الرقمي يجب أن يراعي حماية البيئة والتراث، والهوية الثقافية، والعلاقات الإنسانية، والخصوصية معا، مبرزا أن إعادة تصور السياحة “لا تعني جعل السياحة أكثر رقمية فقط”، وإنما جعلها “أكثر ذكاء وجودة وإنسانية واستدامة”، مؤكدا أن مستقبل السياحة الجزائرية يرتبط بقدرتها على تثمين مقوماتها، وتطوير كفاءاتها، وتسخير التكنولوجيا، ووضع الإنسان في قلب التنمية السياحية.






