^ توظيـف التّكنولوجيا الحديثة في التّوثيق والنّشـر وضمـان الاستمرارية
أكّدت وزيرة الثقافة والفنون، مليكة بن دودة، أن صون التراث الثقافي غير المادي لا ينبغي أن يتوقف عند حدود تسجيله وتوثيقه، بل يتعين تحويله إلى «معرفة حيّة وممارسة متجدّدة وحضور ثقافي» يصل إلى الأجيال الجديدة، مع الاستفادة من التربية والإعلام والبحث والفضاءات الثقافية والوسائط الرقمية، بما يعزّز حضوره العربي والدولي.
أوضحت وزيرة الثقافة خلال إشرافها الأحد الماضي بقصر الثقافة «مفدي زكريا» على افتتاح أشغال المؤتمر الدولي حول «الترويج للعناصر التراثية المسجلة ضمن قوائم اليونسكو للتراث الثقافي غير المادي: الاستراتيجيات، الممارسات، وآفاق التعاون العربي والدولي»، أنّ التراث غير المادي يمثّل «ذاكرة حيّة للأمم»، تتجسّد في اللغة والحكاية والأغنية والفنون والمهن والطقوس والعادات والمعارف والمهارات التي تنتقل بين الأجيال.
وأكّدت في هذا السياق، أنّ أهمية المؤتمر تكمن في الانتقال «من الاعتراف بعناصر التراث إلى تعزيز حضورها في الحياة»، من خلال التعريف بها وتوسيع جمهورها، وتشجيع الشباب على اكتشافها وممارستها وإعادة تقديمها، إلى جانب توظيف التكنولوجيا الحديثة في توثيقها ونشرها وضمان استمراريتها، مع الحفاظ على صلتها بالمجتمعات الحاملة لها.
التّعاون العربي لحماية الذّاكرة المشتركة
وشدّدت بن دودة على أهمية التعاون العربي في هذا المجال، بالنظر إلى وجود عناصر تراثية تتجاوز الحدود الوطنية، وترتبط بالفضاء العربي بروابط تاريخية وثقافية، داعية إلى تبادل الخبرات وتطوير أدوات التوثيق والتعريف، وتشجيع المشاريع المشتركة، وبناء حضور عربي أكثر قوة وتناسقا في المحافل الدولية.
كما أبرزت تجربة الجزائر في مجال صون التراث الثقافي غير المادي، مشيرة إلى انخراطها المبكر في منظومة اتفاقية اليونسكو لسنة 2003، وإلى احتضانها للمركز الإقليمي لصون التراث الثقافي غير المادي في إفريقيا «CRESPIAF»، من الفئة الثانية تحت رعاية اليونسكو، والذي أنشئ سنة 2014 لتعزيز قدرات الدول الإفريقية في التعرف على تراثها غير المادي وتوثيقه وصونه ورقمنته وتبادل الخبرات بشأنه.
ودعت الوزيرة، بالمناسبة، إلى أن تفضي أشغال المؤتمر إلى «توصيات قابلة للتطبيق، وآليات تعاون واضحة، ومبادرات» تجد طريقها إلى التنفيذ في البلدان العربية، مؤكّدة التزام الجزائر بمواصلة العمل مع الدول العربية ومع الألكسو واليونسكو من أجل صون التراث والتعريف به وتعزيز حضوره.
آفاق جديدة للتّعاون
وعرف افتتاح المؤتمر كلمات لكل من مديرة البحث بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ (CNRPAH)، سهيلة مرزوق، رئيس المؤتمر عبد المجيد بوصلب، أستاذ بحث بالمركز، ومدير إدارة الثقافة بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، الدكتور حميد بن سيف النوفلي، الذين أكدوا أهمية هذا اللقاء في تبادل الخبرات، وفتح آفاق جديدة للتعاون من أجل حفظ التراث ونقله إلى الأجيال.
كما تضمّن الافتتاح مداخلتين لكل من الدكتور عماد بن صولة، الخبير لدى الألكسو، حول «اتفاقية 2003: الشّروط من أجل نجاح عالمي»، والبروفيسور سليمان حاشي، مسؤول التواصل لاتفاقية 2003 والمكلف بتسيير المركز الإقليمي بالجزائر لصون التراث الثقافي غير المادي في إفريقيا، حول الاتفاقية وآليات صون التراث.
اتّفاقية 2003 والرّقمنة.. محاور للنّقاش
شكّل اليوم الأول للمؤتمر فضاء علميا لمناقشة عدد من القضايا المرتبطة بالتراث غير المادي، من خلال ثلاث جلسات علمية، تناولت الأولى «اتفاقية اليونسكو لسنة 2003، من المفاهيم إلى التعاون العربي ودور الألكسو في تثمين التراث الثقافي غير المادي».
وشهدت هذه الجلسة مداخلات حول ترويج التراث الثقافي غير المادي وأشكاله ودينامياته، والمنظومة التوثيقية للتراث اللعبي ـ الجسدي في قوائم اليونسكو، فضلا عن مفارقات التراث الثقافي غير المادي بين ضرورات الصون ومنطق التثمين وديناميات الترويج والاستدامة.
وخصّصت الجلسة الثانية للسياسات العمومية واستراتيجيات الترويج والتثمين للعناصر المدرجة، بمداخلات تناولت تدابير صون عناصر التراث الثقافي غير المادي الفلسطيني المسجلة لدى اليونسكو، وجهود سلطنة عمان في صون التراث وترويجه، إلى جانب النموذج التونسي في الترويج للتراث الثقافي غير المادي بين الدبلوماسية الثقافية المشتركة والتثمين التنموي المحلي.
أما الجلسة الثالثة، فبحثت دور التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي في التعريف بالتراث الثقافي غير المادي وتثمينه، مع التركيز على توظيف المنصات الرقمية في حفظ التراث وصونه والتعريف بأهميته، فضلا عن دراسة المنصات التشاركية والجرد المستمر للتراث، وقراءة تمثلات التراث الثقافي غير المادي لدى الشباب الجزائري في ظل التحول الرقمي.
وبالموازاة مع البرنامج العلمي، قامت وزيرة الثقافة والفنون، رفقة ممثلي الدول العربية المشاركة، من فلسطين وتونس والأردن وسوريا والعراق والسعودية وسلطنة عمان وليبيا، بجولة عبر المعارض والورشات الحيّة المخصصة للتراث الثقافي غير المادي، حيث تمّ عرض عناصر من التراث الجزائري والعربي المشترك، إلى جانب عناصر مدرجة ضمن قوائم اليونسكو وأخرى في طور التسجيل، من بينها اللباس التقليدي، والكسكس، والزليج، والفخار، والسعفيات، والخط العربي والنقش على المعادن، فضلا عن معرض لمنشورات المركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ.
التّراث رافد للتّنمية والاستثمار
واستكمل المؤتمر، في يومه الثاني، برنامجه العلمي من خلال جلستين تناولتا علاقة التراث الثقافي غير المادي بالتنمية المستدامة، والتجارب الرائدة والابتكار في مجال الترويج له.
وخصّصت الجلسة الأولى، التي ترأّستها الدكتورة زكية ليتيم، أستاذة البحث بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ، لبحث سبل تحويل التراث الثقافي غير المادي من قيمة محفوظة إلى قيمة متجدّدة ورافد للتنمية المحلية والاستثمار، من خلال استعراض تجارب عربية ونماذج جزائرية في هذا المجال.
وتناولت المداخلات، في هذا الإطار، إمكانات توظيف التراث الثقافي غير المادي في الاستثمار والتنمية المحلية، مع تقديم نموذج الزي النسوي الاحتفالي بالشرق الجزائري المدرج ضمن قوائم اليونسكو، ودوره في التنمية المستدامة، إلى جانب بحث سبل الترويج للتراث من خلال الصناعات التقليدية والسياحة الثقافية في ضوء اتفاقية اليونسكو لسنة 2003.
تجارب عربية في الابتكار والتّرويج
أما الجلسة الثانية، التي ترأّسها الدكتور عبد الناصر بوردوز، أستاذ البحث بالمركز الوطني للبحوث في عصور ما قبل التاريخ وعلم الإنسان والتاريخ، فخصّصت للتجارب الرائدة والابتكار في الترويج للتراث الثقافي غير المادي، من خلال عرض نماذج من الكويت وسوريا ولبنان.
وتطرّقت المداخلات إلى الممارسات الثّقافية في الكويت، وتجربة وزارة الثقافة السورية في توثيق والترويج للتراث الشفوي بمدينة حلب، فضلا عن تجربة «المنقوشة اللبنانية» باعتبارها تراثا حيّا وما بعد إدراجها ضمن قائمة اليونسكو.
واختتم المؤتمر، الذي تواصل يومي 28 و29 سبتمبر الجاري، من طرف وزارة الثقافة والفنون بالتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو)، بمشاركة ممثلي عدد من الدول العربية وخبراء وباحثين جزائريين ودوليين، بالتأكيد على أهمية الانتقال بالتراث الثقافي غير المادي من مرحلة التسجيل والتوثيق إلى توسيع حضوره في الحياة اليومية وتعزيز دوره في التنمية المستدامة، والاستفادة من الابتكار والتحول الرقمي والصناعات التقليدية والسياحة الثقافية في الترويج له، إلى جانب تكثيف التعاون العربي والدولي وتبادل التجارب والخبرات بما يضمن استمراريته ونقله إلى الأجيال القادمة.





