جهود مستمرّة من أجل وضع حدّ للازدواجية في تطبيق القانون الدولي
أعادت الجزائر، من على منبر الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، طرح مسألة إصلاح مجلس الأمن، باعتبارها شرطا أساسيا لاستعادة ثقة الدول في المنظمة الأممية، وأكّد وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية والجالية الوطنية بالخارج والشؤون الإفريقية، أحمد عطاف، حاجة المجلس إلى إصلاح عميق يجعله أكثر تمثيلا وعدلا وفاعلية، ويضع حدا للازدواجية في تطبيق القانون الدولي، مجدّدا دعم الجزائر لتمثيل إفريقي دائم وعادل، بصلاحيات كاملة.
يأتي الموقف في سياق انتقال المطالب الإفريقية من الدعوة العامة إلى الإنصاف إلى طرح تصور محدّد ضمن المفاوضات الأممية.
وربط عطاف بين استعادة الثقة في الأمم المتحدة وترسيخ العدالة والاحتكام إلى القانون، داعيا، في الوقت ذاته، إلى تعزيز دور الجمعية العامة وصلاحياتها. ويعكس الجمع بين المطلبين إشكالية تواجه العديد من الدول، التي تتأثر بقرارات تتعلّق بالأمن والسلم الدوليّين، بينما يظل تأثيرها محدودا في صياغتها، خاصة عندما تعرقل حسابات الأعضاء الدائمين تحرّك مجلس الأمن أو تحدّد أولويات النقاش داخله.
وتتجلّى هذه الفجوة بصورة أوضح في الحالة الإفريقية، باعتبار القارة ثاني أكبر قارات العالم مساحة، ويزيد عدد سكانها على مليار ونصف المليار نسمة، وتضم 54 دولة عضوا في الأمم المتحدة. ورغم تمتّعها بثلاثة مقاعد غير دائمة، تتداولها دولها، تظل إفريقيا القارة الوحيدة التي لا تحظى بأي مقعد دائم في مجلس الأمن، رغم الحضور المتكرّر لقضاياها على جدول أعماله. ويبرز هذا الوضع حجم الإجحاف التاريخي الذي تعانيه القارة، جراء غيابها عن دائرة العضوية الدائمة التي تتمتّع بالاستمرارية وحق النقض.
ويستند الموقف الإفريقي الموحّد، الذي تبلور من خلال توافق إيزولويني وإعلان سرت سنة 2005، إلى المطالبة بمنح القارة مقعدين دائمين على الأقل، وخمسة مقاعد غير دائمة بدلا من ثلاثة. كما يشدّد على تمتع العضوين الدائمين الإفريقيّين بالصلاحيات نفسها الممنوحة للأعضاء الحاليين، بما فيها حق النقض، ما دام هذا الحق قائما.
تحرّك جزائري ضمن موقف إفريقي موحّد
في هذا الإطار، تواصل الجزائر تحرّكها بصفتها عضوا في لجنة العشرة التابعة للاتحاد الإفريقي، المكلفة بالدفاع عن الموقف الإفريقي المشترك خلال مفاوضات إصلاح مجلس الأمن. وقد احتضنت الجزائر الاجتماع الوزاري للجنة في جوان 2024، كما شاركت في قمتها المنعقدة على هامش قمة الاتحاد الإفريقي في فيفري الماضي. وفي أفريل 2026، انتقل النموذج الإفريقي للإصلاح إلى مسار المفاوضات الحكومية الدولية بالأمم المتحدة، في خطوة أتاحت للدول الإفريقية أرضية أكثر تحديدا للتفاوض.
وتعزّز هذا المسار بسند سياسي إضافي، عقب اعتماد “ميثاق المستقبل” سنة 2024، الذي أقرّ أولوية معالجة الظلم التاريخي الواقع على إفريقيا. ويظل تجسيد هذا الالتزام في شكل مقاعد فعلية مرتبطا بمخرجات المفاوضات بين الدول الأعضاء، ومدى التوافق حول الصيغة النهائية للإصلاح.
كما حملت الجزائر هذا الملف خلال عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن للفترة 2024-2025، وربطته بالقضايا الأمنية التي تشغل القارة الإفريقية. ففي جانفي 2025، نظّمت الجزائر، خلال رئاستها الدورية للمجلس، نقاشا حول مكافحة الإرهاب في إفريقيا، أعقبه صدور بيان رئاسي تناول دور الآليات الإفريقية، ودعا إلى متابعة سنوية للتعاون بين الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة. وتعكس هذه الخطوة أهمية مشاركة الدول الإفريقية في صياغة جدول أعمال المجلس، بما يتيح توجيه النقاش نحو أولويات القارة، مع بقاء تأثير العضوية غير الدائمة مرتبطا بفترة زمنية محدودة.
وتتزايد أهمية هذا الحضور في ظل اتّساع رقعة النزاعات في السودان وشرق الكونغو الديمقراطية ومنطقة الساحل، وتداخلها مع الأزمات الإنسانية والتهديدات العابرة للحدود. وبحسب مؤشّر الإرهاب العالمي لعام 2026، سجّلت منطقة الساحل أكثر من نصف الوفيات الناجمة عن الإرهاب في العالم خلال سنة 2025.
وفي ظل هذه التحديات، تكتسب مشاركة الدول الإفريقية في مناقشات مجلس الأمن بشأن العقوبات، ودعم عمليات حفظ السلام، وسبل مواجهة الجماعات الإرهابية، أهمية خاصة، بالنظر إلى ما تمتلكه من معرفة مباشرة بطبيعة النزاعات وخصوصياتها واحتياجات المجتمعات المتضرّرة، وهي عوامل تُسهم في إثراء النقاش وتحسين مسارات اتخاذ القرار.
وبالنسبة إلى الجزائر، يرتبط هذا المطلب بمقاربتها القائمة على الربط بين مكافحة الإرهاب والتنمية، واحترام سيادة الدول، وتفضيل الحلول السياسية للنزاعات. ومن شأن تعزيز التمثيل الإفريقي في مجلس الأمن أن يتيح للقارة مشاركة مستمرّة في تحديد الأولويات ومتابعة تنفيذ القرارات المتعلقة بقضاياها، فضلا عن الإسهام في توجيه الدعم الدولي نحو الدول المتضرّرة من النزاعات. وتظل هذه المشاركة عاملا داعما للعمل الجماعي، في ظل تعقيدات الأزمات واستمرار الخلافات بين القوى الكبرى.


