جدّد وزير الدولة، وزير الشؤون الخارجية، أحمد عطاف، خلال مشاركته في أشغال الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة، التأكيد على موقف الجزائر الثابت إزاء قضية الصحراء الغربية، مشدّدا على ضرورة احترام المسار الأممي وتكريس حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ومبرزا أهمية إعادة تحريك المفاوضات المباشرة بين طرفي النزاع، بما يفتح المجال أمام دفع المسار السياسي نحو تسوية القضية.
في قراءة لمضامين خطاب وزير الدولة، يرى الدكتور محمد الصالح جمال، أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة قالمة، أنّ ترحيب الجزائر بعودة المفاوضات المباشرة بين جبهة البوليساريو والمغرب يحمل رسالة واضحة، مفادها أنّ قضية الصّحراء الغربية تستدعي إنهاء حالة الجمود، مع التمسّك بحق الشعب الصّحراوي في تقرير مصيره.
وأوضح أستاذ العلوم السياسية أنّ موقف الجزائر من استئناف المفاوضات يعكس قناعة بضرورة تحريك المسار السياسي، وفتح المجال أمام حوار مباشر بين طرفي النزاع، باعتبار أنّ استمرار الوضع القائم لا يقدّم حلا للقضية. وأشار إلى أنّ العودة إلى الحوار يمكن أن تشكّل خطوة مهمة نحو تسوية عادلة، متى ارتبطت بإرادة سياسية حقيقية وأفق تفاوضي واضح.
الحوار المباشر ومسؤولية طرفي النزاع
يرى الدكتور جمال أنّ أهمية المفاوضات المباشرة تكمن أساسا في وضع طرفي النزاع أمام مسؤولياتهما، من خلال تمكينهما من الجلوس إلى طاولة واحدة وطرح خلافاتهما بصورة مباشرة، وفتح قنوات للحوار السياسي المنتظم.
وأوضح أنّ الحوار المباشر يتيح مساحة للنقاش حول القضايا محل الخلاف، والبحث عن نقاط مشتركة يمكن البناء عليها، بما يمهّد الطريق أمام تسوية سياسية تستجيب لمتطلّبات الحل.
وأضاف أنّ استمرار الجمود على مدار سنوات لم يفض إلى تسوية القضية، ما يجعل استئناف المفاوضات فرصة لإعادة تحريك المسار السياسي ومعالجة الخلافات بصورة مباشرة. ويمكن للمفاوضات، بحسبه، أن توفّر إطارا لبحث مختلف التصورات المطروحة والتوصّل تدريجيا إلى نقاط تفاهم، شريطة توفّر إرادة سياسية حقيقية لدى الأطراف المعنية.
وفي هذا السياق، يربط الخبير بين أهمية استئناف الحوار وضرورة الحفاظ على طبيعة المسار السياسي، مؤكّدا أنّ المفاوضات ينبغي أن تكون وسيلة للوصول إلى حل يعالج جوهر القضية، ويضمن احترام حقوق الشعب الصّحراوي، ضمن مرجعية أممية واضحة.
المرجعية الأممية وتقرير المصير
شدّد المتحدث على وجود مبدأ أساسيّ في مقاربة الجزائر، يتمثل في ضرورة أن تجري المفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة، وأن يكون هدفها التوصّل إلى حلّ يحترم حق الشعب الصّحراوي في تقرير مصيره.
وأوضح أنّ أهمية التفاوض تكمن في كونه فضاء سياسيا حقيقيا يتيح للأطراف بحث مختلف أوجه النزاع والتوصّل إلى تسوية تستند إلى المرجعيات الدولية، بعيدا عن فرض نتائج مسبقة على العملية السياسية.
وأشار إلى أنّ تمسّك الجزائر بالإطار الأممي يعكس، في تقديره، حرصا على الحفاظ على مرجعية واضحة للمسار التفاوضي، بما يضمن ارتباط القضية بجهود الأمم المتحدة ومبدأ تقرير المصير، ويحول دون فرض ترتيبات مسبقة على المفاوضات.
وأضاف أنّ الإطار الأممي يوفّر أرضية مشتركة لمواصلة البحث عن حلّ سياسي، لاسيما أنّ قضية الصّحراء الغربية ظلّت لسنوات مرتبطة بمسار تقوده الأمم المتحدة، ما يجعل الحفاظ على هذه المرجعية عنصرا أساسيا في أي جهد يرمي إلى تحقيق تقدّم في تسوية النزاع.
الدور الأمريكي وفرصة إعادة تحريك المسار
بخصوص الدور الأمريكي الذي أشار إليه عطاف في سياق الحديث عن استئناف المفاوضات، يرى أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية أنّ مساهمة واشنطن يمكن أن تكون مفيدة إذا أسهمت في تقريب وجهات النظر ودعم جهود الأمم المتحدة، ومساعدة الأطراف على تجاوز نقاط الخلاف والعودة إلى مسار تفاوضي جاد.
وأوضح أنّ أي دور دولي يكتسب أهمية من خلال مساهمته في تسهيل الحوار وتشجيع الأطراف على العودة إلى طاولة المفاوضات، مع ضرورة أن يتم ذلك في إطار المسار الذي ترعاه الأمم المتحدة، تفاديا لتعدّد المبادرات والمسارات المتوازية التي قد تزيد من تعقيد القضية.
وأكّد أنّ الدور الأمريكي، مهما كانت طبيعته، يظل مرتبطا بمدى مساهمته في دعم المرجعية الأممية، التي تمثل الإطار الأساسي لأي مسار يراد له أن يقود إلى تسوية سياسية، مشيرا إلى أنّ نجاح الجهود الدولية يتطلّب احترام المبادئ التي تحكم العملية السياسية.
واعتبر الدكتور جمال أنّ موقف الجزائر، كما عكسه خطاب عطاف أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، ينظر إلى المفاوضات باعتبارها فرصة لإعادة القضية إلى مسارها السياسي، وإنهاء حالة الجمود التي طبعت الملف لسنوات.
وأكّد أنّ العودة إلى طاولة الحوار تكتسي أهميتها عندما تقترن بإرادة حقيقية لمعالجة جوهر النزاع، وتحقيق نتائج ملموسة، موضّحا أنّ معيار نجاح المسار يكمن في قدرته على فتح الطريق أمام تسوية سياسية تحترم المرجعيات الدولية وإرادة الشعب الصّحراوي.
وخلص الخبير إلى أنّ استئناف المفاوضات المباشرة يمنح طرفي النزاع فرصة لإعادة تحريك المسار السياسي والبحث عن أرضية للحوار، غير أنّ تحقيق تقدّم فعلي يظل مرتبطا بتوفر الإرادة السياسية، واحترام الإطار الذي ترعاه الأمم المتحدة، وضمان مفاوضات جادة تتيح التوصّل إلى حلّ دون فرض الأمر الواقع أو تحديد النتائج مسبقا.


