شراكـة استراتيجية مـــع المحيــط الاقتصادي لتثمـــين الابتكـــار
مخابــر البحث تصنــع الفـــارق بتقـديم الحلــول الميدانيـــة
تواصل الجامعة الجزائرية ترسيخ دورها كفاعل محوري ورئيسي في خدمة التنمية الوطنية، من خلال توجيه بحوثها العلمية ومختبراتها نحو معالجة الرهانات الكبرى للبلاد، وفي مقدمتها ملف «الأمن المائي» الذي أضحى يحتل صدارة الأولويات الاستراتيجية إلى جانب الأمن الطاقوي، الغذائي، والصحي، ويأتي ذلك استجابة للرؤية الجديدة لرئيس الجمهورية للجامعة الرامية إلى ربطها بالبيئة الاقتصادية والاجتماعية، وهو ما جعلها تعرف تحوّلا متسارعا من مجرّد فضاء للتعليم الأكاديمي ومنح الشهادات، إلى قاطرة اقتصادية تهدف إلى خلق الثروة وتطوير الابتكار، وتقديم حلول علمية وعملية للمشاكل الوطنية.
رافقت الجامعة الجزائرية الرهانات الوطنية من خلال عدة محاور عملية ترتكز بالأساس على الرهان الاقتصادي والمقاولاتية، وذلك بالانتقال من الشهادة إلى المشروعات، سيما بعد اعتماد القرار الوزاري رقم 1275 «شهادة – مؤسّسة ناشئة/براءة اختراع» للتحوّل نحو تحويل مشاريع التخرّج إلى مؤسّسات ناشئة أو مصغّرة، ناهيك عن إنشاء حاضنات وأفكار ابتكارية ودور المقاولاتية داخل الجامعات لمرافقة الطلبة حاملي المشاريع، وزيادة تسجيل براءات الاختراع لحماية الابتكارات الطلابية والجامعية وتحويلها إلى منتجات اقتصادية قابلة للتسويق.
ولضمان الشفافية ومواكبة التطور السريع، عملت الجامعة الجزائرية على ربح رهان التحول الرقمي من خلال تبني الرقمنة الشاملة وتحويل التسيير البيداغوجي والإداري عبر منصّات رقمية لتسهيل خدمات الطلبة والأساتذة وتعزيز الشفافية، ناهيك عن الانتقال للجيل الرابع من الجامعات عبر دمج الذكاء الاصطناعي، والبيانات الضخمة، وتقنيات التعليم الهجين لرفع جودة التكوين وتحسين تصنيف الجامعات دوليا.
فيما شكّل الانفتاح على المحيط الاقتصادي والاجتماعي، أحد أهم الجسور التي مكّنت الجامعة من الخروج من شرنقة التكوين الأكاديمي ومنح الشهادات إلى فتح باب من الشراكات مع القطاع الاقتصادي، عبر توقيع اتفاقيات مع المؤسّسات الاقتصادية والإنتاجية لربط بحوث ومذكّرات الطلبة بالمشكلات والمشاريع الميدانية، والعمل على التكوين المهني والتكيّف من خلال تحديث البرامج والمناهج الأكاديمية، وتعزيز التعاون العلمي وتبادل الخبرات الأكاديمية لتتماشى مع متطلّبات سوق العمل الناشئة في المجالات ذات الأولوية بالنسبة للجزائر، على غرار الطاقات المتجدّدة، الرقمنة، الفلاحة الحديثة، في سبيل تعزيز الأمن الطاقوي والغذائي والمائي الذي أصب أحد ركائز الأمن القومي لبلادنا لارتباطه الوثيق بكل القطاعات وغيرها.
مرافقة بيداغوجية وعلمية مستمرّة للأولويات الوطنية
في هذا السياق، تشهد جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين بباب الزوار، حركية بحثية علمية حثيثة في مختلف المجالات، ومرافقة بيداغوجية وعلمية مستمرّة للأولويات الوطنية، حيث أكّد مدير الجامعة، البروفيسور جمال الدين أكراتش في تصريح لـ «الشعب»، أنّ المؤسّسات الجامعية كانت ولا تزال تلامس وترافق القضايا الوطنية الاستراتيجية، مشيرا إلى أنّ جامعة هواري بومدين تسخّر إمكاناتها عبر عدة مخابر بحثية في كليات الكيمياء، الهندسة الميكانيكية وهندسة الطرائق، والهندسة المدنية، لتطوير حلول تقنية وعلمية مبتكرة.وأوضح مدير الجامعة أنّ «التوجّه الوطني لم يعد يقتصر على الحلول التقليدية، بل يمتد إلى دعم المشروعات الوطنية الكبرى مثل تحلية مياه البحر التي دعمت القدرات المائية الوطنية خلال السنوات الأخيرة، وصولا إلى معالجة المياه المستعملة» وإعادة استخدامها وتثمينها، وذلك تجسيدا لتعليمات رئيس الجمهورية في هذا الخصوص، آخرها مخرجات اجتماع مجلس الوزراء المتعلقة بتثمين المياه المستعملة المعالجة وتوسيع نطاق إعادة استعمالها.
237 نظام تطهير محل تثمين لبلوغ 60 بالمائة من المياه المعالجة
تماشيا مع توجيهات رئيس الجمهورية في هذا الخصوص، كشف آكراتش أنّ الجامعة تولي أهمية قصوى لملف معالجة وتصفية المياه المستعملة لاستغلالها في قطاعات حيوية كالفلاحة والصناعة، مع التركيز على توجّه قطاع الري نحو تعميم تقنيات «المعالجة الثلاثية» على مستوى المحطات الوطنية للتطهير، خاصة وأنّ الدولة تستهدف بلوغ استرجاع نسبة 60 بالمائة من المياه المستعملة، بما يسمح بتوفير مورد مائي إضافي لمرافقة الاحتياجات التنموية والاستجابة على وجه الخصوص للاحتياجات المتزايدة للقطاع الفلاحي.
والجدير بالذكر أنّ القطاع يتوفّر حاليا على 237 نظاما للتطهير قيد الاستغلال عبر مختلف مناطق الوطن، إلى جانب برنامج جاري يتضمّن إنجاز 76 نظاما جديدا للتطهير، بما سيسمح برفع الطاقة الإجمالية للتصفية إلى 1.514 مليار متر مكعب سنويا، أي بزيادة تقارب 35 بالمائة مقارنة بالقدرات الحالية، ولهذا تحرص الوزارة الوصية على توسيع التشاور والتنسيق عبر تنظيم لقاءات مع مختلف الفاعلين والمتدخّلين لبحث سبل تطوير استعمال المياه المعالجة، وتحديد الاحتياجات بما يضمن تثمين هذا المورد واستغلاله على الوجه، بما فيها الجامعة من أجل تثمين المياه المستعملة المعالجة كمورد مائي إضافي، من خلال تبني الحلول المبتكرة من طرف الطلبة الباحثين، وتنويع مصادر المياه، ودعم التنمية المستدامة وتعزيز الأمن المائي الوطني.
شراكــات علميــــــة وحلــــول تكنولوجية للنهـــوض بالقطــــاع المائــي
بحسب المتحدّث، تحرص الجامعة في كل مرة على احتضان وتنظيم أيام دراسية ومؤتمرات دولية تعالج الإشكالات والرهانات الوطنية، آخرها المؤتمر الدولي الأول حول «استراتيجيات تنقية المياه المستعملة وإعادة استخدامها بكفاءة»، من أجل تعزيز التعاون الدولي وتبادل الخبرات الأكاديمية والاطلاع على آخر التقنيات والحلول العلمية المعتمدة في هذا المجال، سيما في ظل الإجهاد المائي والتغيّرات المناخية وموجات الحرّ القاسية التي تعرفها منطقة البحر الأبيض المتوسط.وشدّد المشاركون في هذا المؤتمر الدولي من خلال المداخلات الملقاة والنقاشات التي دارت بينهم على العديد من التوصيات، أهمها الإدارة المستدامة للمياه وإعادة استخدامها عبر تشجيع البحث والابتكار في مجال الإدارة المستدامة للموارد المائية، ومعالجة المياه وإعادة استخدامها، لا سيما في الأغراض الزراعية والصناعية والحضرية، مع الالتزام بالمعايير الصحية والبيئية. بالإضافة إلى تعزيز الاقتصاد الدائري من خلال تطوير مقاربات تعتمد على تقليل استهلاك الموارد، وإعادة الاستخدام، وإعادة التدوير، وثمين النفايات المنتجات الثانوية، بهدف تحفيز الاستغلال الأمثل والأكثر استدامة للموارد، ناهيك عن تعزيز الشراكة بين الجامعة والقطاع الصناعي بتطوير التعاون بين الجامعات، والمختبرات، ومراكز البحث، والقطاع الصناعي، للاستجابة للاحتياجات الفعلية للقطاع الاقتصادي والاجتماعي، ولتحفيز إبراز حلول مبتكرة.
كما أوصى المشاركون بتطوير البحث التطبيقي والابتكار، وتشجيع مشاريع البحث الكفيلة بالوصول إلى تطبيقات عملية، وتقنيات مبتكرة، ونماذج أولية، وحلول ملائمة للإشكاليات البيئية والصناعية، إلى جانب تعزيز التعاون العلمي الوطني والدولي، من خلال تكثيف التعاون بين الفرق البحثية، والجامعات، والمؤسّسات العلمية، من خلال المشاريع المشتركة، وتبادل الخبرات، والشراكات المستدامة.
وشدّد المتدخّلون على ضرورة تثمين نتائج البحث ونقلها، من خلال تشجيع نشر وتثمين ونقل النتائج العلمية إلى القطاعات المعنية، بهدف تقريب البحث العلمي أكثر من احتياجات المجتمع والصناعة، وكذا دعم الباحثين الشباب عبر تعزيز مرافقة طلبة الدكتوراه والباحثين الشباب، من خلال تشجيع مشاركتهم في المشاريع التعاونية، وحركيّتهم، وتسهيل وصولهم إلى الشبكات العلمية الوطنية والدولية.
كما تمّ التأكيد على تعزيز الدعم المؤسّسي والمالي، بتوفير الإمكانات اللازمة لتطوير أنشطة البحث، وتنظيم التظاهرات العلمية، وحركية الباحثين، وإنجاز المشاريع التعاونية، ناهيك عن وضع آلية لمتابعة التوصيات المنبثقة عن هذا المؤتمر، والعمل على ترجمتها في الميدان من خلال مشاريع بحثية، وشراكات مستدامة.ويشير أكراتش إلى أنّ مثل هذه المؤتمرات يمثل فرصة لتقييم مستوى البحوث الوطنية ومقارنتها بالمعايير الدولية، خصوصا دعم المسار الأكاديمي والمهني والفرص المتاحة أمام تطوير أبحاث الشباب الباحثين وطلاب الدكتوراه، الذين يمثلون حجر الزاوية لمستقبل البحث العلمي في الجزائر تلبية لاحتياجاتها الوطنية، خاصة مع بروز ضرورة تنويع الموارد المائية وغير التقليدية، وبناء شراكات علمية وتبادل الخبرات بين المخابر الجزائرية والنظراء الدوليّين لرفع قدرات الصمود والتحكّم في الإدارة المستدامة للمياه.
والجدير بالذكر أنّ جامعة العلوم والتكنولوجيا هواري بومدين قامت في السنوات الأخيرة، باحتضان محطة مصغّرة لمعالجة المياه داخل الحرم الجامعي، لتكون بمثابة أداة بيداغوجية وعلمية تطبيقية تمكّن الطلبة والباحثين من إجراء تجاربهم ومحاكاة الحلول التكنولوجية ميدانيا.




