«نابــاك» منصــة استراتيجيــة لجــذب الاستثمــارات ونقـــل التكنولوجيــــا المتقدمــــة
فتــــح آفـاق الغاز غـــير التقليـــدي أمـــام الاستثمــار سيحـــدث نقلـــة نوعيــة في الجزائــــر
سوناطـــراك وشركاؤهـــا الدوليــون يقـــودون ثــــورة طاقويـــة جديـــدة
قدمت الخبيرة الدولية الإيرلندية، المتخصصة في قطاع الطاقة ومقدمة الفعاليات الطاقوية المرموقة، إيثن ترينور، قراءة تحليلية معمقة لأبرز مستجدات المشهد الطاقوي الجزائري والإفريقي، ووقفت بشكل معمق على المسار التطويري الذي تقوده الجزائر بثقة وكفاءة، كما سلطت الضوء – على هامش أشغال «ناباك 2026 أين التقتها «الشعب» – على دور «سوناطراك» والبيئة التنظيمية المنفتحة، والشراكات الدولية الرصينة التي تعزز مكانة الجزائر كلاعب طاقوي موثوق على الخريطة العالمية.
الشعب: كيف تقيمون الطبعة الرابعة عشر لمعرض ومؤتمر إفريقيا والبحر المتوسط للطاقة والهدروجين، وما هو الدور الذي أصبحت تقوم به هذه المنصة الجزائرية الرائدة في قطاع الطاقة العالمي؟.
^ إيثن ترينور: يمثل تنظيم مؤتمر «ناباك» سنويا في الجزائر حدثا استراتيجيا بالغ الأهمية، فقد نجح هذا الملتقى المرموق بجدارة في تسليط الأضواء العالمية على قطاع الطاقة الجزائري، وتحويله إلى منصة دولية فاعلة لاستعراض الإمكانات وتبادل الخبرات، ولقد استمعنا خلال مراسم حفل الافتتاح، من وزير المحروقات ووزير الطاقات المتجددة، كلمات هامة استعرضا من خلالها مختلف الجهود الوطنية والمشاريع الضخمة الجارية حاليا على أرض الواقع، ولم يقتصر الطرح على الإنجازات وحدها، فقد تطرق الوزيران إلى أهمية تعزيز الشراكات الاستراتيجية القائمة، وجذب المزيد من الاستثمارات الدولية المباشرة، وشددا على التطور الملحوظ في البيئة التنظيمية والتشريعية للقطاع، والتي باتت تتسم بقدر كبير من المرونة والانفتاح، مما وفر مناخا استثماريا أكثر جاذبية وقابلية للتنبؤ، وهو ما انعكس بشكل إيجابي على تعزيز ثقة المستثمرين.
وفي خضم هذه المعطيات، يتضح جليا أن هناك قناعة وشعورا عاما بالفخر بالخطوات المدروسة والهامة.. الخطوات الفارقة التي تتخذها الجزائر، والتي تؤكد سيرها الحثيث في الاتجاه الصحيح نحو استقطاب استثمارات نوعية جديدة ذات نجاعة عالية؛ لأن الجزائر، دون أدنى شك، تمتلك – في الوقت الراهن – مقومات وموارد طبيعية هائلة، بالإضافة إلى فرص واعدة تجعلها وجهة استثمارية جاذبة ومتميزة.
ما تحليلك لتطور علاقات التعاون الاستراتيجي بين الجزائر والشركات الدولية الناشطة في قطاعي النفط والغاز؟.
يعد حضور الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتوجه أنظار المستثمرين الدوليين بقوة نحو الجزائر، شأنها في ذلك شأن الدول الفاعلة في القارة الإفريقية، أمرا بالغ الأهمية الاستراتيجية. فمن الضروري أن تدرك المنظومة الاستثمارية الدولية حجم الفرص الواعدة والإمكانات الضخمة الكامنة في السوق الجزائري المتميز.. إن تحقيق هذا الطموح التنموي لا يمكن أن يتم بمعزل عن الآخر، لأن الجزائر والشركات الدولية تكمل إحداهما الأخرى في معادلة القيمة المضافة، وينبغي الإشارة إلى أن التوقيت الحالي يعد مثاليا لتعزيز تواجدها الفاعل في السوق المحلية، والعمل جنبا إلى جنب مع «شركة سوناطراك» ومختلف المؤسسات الوطنية، بهدف الاستغلال الأمثل وتطوير هذه الموارد الحيوية على أرض الواقع.
ولا يقتصر دور هذه الشركات على الجانب التمويلي وحده، وإنما – في الحقيقة – تمتد مساهمتها إلى نقل الخبرات والتكنولوجيات المتطورة، نظرا لما تملكه من ثراء معرفي وتجارب عالمية متراكمة في مجال الاستكشاف منذ عقود. وعند استحضار إمكانات «الغاز غير التقليدي» في الجزائر، يتضح جليا أن فتح آفاق هذه الموارد أمام الاستثمار سيحدث نقلة نوعية، من خلال جلب أحدث الحلول التكنولوجية والكفاءات العالمية لدعم هذا الملف.
في ضوء كل ذلك، يمكن الجزم بأننا أمام مرحلة محورية وحاسمة، ليس فقط على صعيد مسار التنمية الصناعية والاقتصادية في الجزائر، بل أيضا على مستوى تعزيز وتعميق علاقاتها الاستراتيجية وشراكاتها الدولية.
في ضوء التوجه الاستراتيجي للجزائر نحو التحول الطاقوي، وقعت مؤخرا كل من الجزائر وتونس وإيطاليا والنمسا وألمانيا على إعلان الجزائر الوزاري التاريخي المتعلق بتنفيذ مشروع ممر الهدروجين الجنوبي الهام والمخصص لنقل الهيدروجين الأخضر نحو السوق الأوروبية.. كيف ترين الأبعاد الاستراتيجية لهذا المشروع الضخم؟.
عند استقراء اتجاهات الطلب على الطاقة، لا سيما القادم من السوق الأوروبية، يتبين وجود تحول استراتيجي وتركيز متزايد بشكل ملحوظ على مصادر الطاقة النظيفة والمتجددة، وفي هذا الإطار، سيشكل مشروع ممر الهدروجين قيمة مضافة استراتيجية بالغة الأهمية للجزائر، بينما يمثل في الوقت نفسه ركيزة حيوية تؤمن وتنوع إمدادات الطاقة في أوروبا.. لقد أدركت أوروبا، استنادا إلى معطيات الماضي، أن مخاطر الاعتماد على مصدر أو مصدرين فقط للطاقة تعد خيارا غير مستدام، وهنا تبرز مكانة الجزائر كشريك جوار استراتيجي، قريب جغرافيا وموثوق به، والذي بذل جهودا مضنية واستثمارات معتبرة لتطوير هذا المشروع الحيوي.
ومن المتوقع أن يعود هذا المشروع بمنافع جمة على دول الجوار شمالا، عبر الضفة الأخرى للبحر الأبيض المتوسط. وعلاوة على ذلك، فإنه سيساهم بشكل حاسم في ترسيخ مكانة الجزائر على الخريطة الطاقوية الدولية، بوصفها دولة فاعلة وموثوقة، وقادرة على توفير إمدادات طاقوية بأسعار تنافسية للغاية بمجرد دخول هذا الممر حيز التشغيل الفعلي.
ما رأيك في الحضور المتنامي لشركة «سوناطراك» في سوق الطاقة الإقليمية والعالمية حاليا؟ وما هي قراءتك لقدرة الشركة على تعزيز المزيد من تنافسيتها؟
على مدار العقد الماضي، يمكن الجزم بأن «شركة سوناطراك» رسخت مكانتها كاسم لامع وفاعل، بات يحظى باعتراف متزايد واحترام واسع في أسواق الطاقة الدولية. ولم يعد حضور الشركة مقتصرا على الحدود الوطنية فقط، وإنما امتد ليشمل استثمارات استراتيجية في الخارج، ويتجلى ذلك بوضوح من خلال الحضور المؤثر لكبار مسؤوليها التنفيذيين في المحافل العالمية.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري لوزير الطاقة والمناجم، السيد محمد عرقاب، الذي ترسخ حضوره كقائد وفاعل دولي بارز في قطاع الطاقة، ويتجلى ذلك من خلال مشاركاته الفاعلة والمؤثرة في مؤتمرات منظمة «أوبك»، وتفاعله الديناميكي مع مؤسسات مالية دولية كبرى مثل صندوق النقد الدولي.
إن هذه النخبة القيادية تبذل جهودا دؤوبة وممنهجة لضمان إعادة توجيه تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر نحو الجزائر، وخلق بيئة تنظيمية وتشغيلية جاذبة لرؤوس الأموال.
وفي خضم ذلك يمكن القول إن الرؤية الاستباقية التي تبنتها الوزارة، بالموازاة مع توجيهات القيادة العليا للبلاد وإدارة «سوناطراك»، قد أحدثت نقلة نوعية في سياسات استقطاب الاستثمار خلال السنوات القليلة الماضية. ومن المتوقع أن تواصل هذه الجهات نهجها الاستراتيجي، إدراكا منها بأهمية بناء شراكات دولية رصينة ومستدامة، تدعم مسار التنمية الصناعية والاقتصادية وتعزز من مكانة الجزائر كلاعب رئيسي في خريطة الطاقة العالمية.
ما الأثر الاستراتيجي لمنصة «ناباك» في استقطاب الاستثمارات ونقل التكنولوجيا المتقدمة على وجه الخصوص بعد سنوات من النشاط؟ وكيف ترين موقع الجزائر والقارة الإفريقية بشكل عام، في هذه المعادلة الطاقوية والتكنولوجية المتطورة؟»
تعد التكنولوجيا ركيزة أساسية في أي نقاش جاد حول مستقبل قطاع الطاقة، وهنا يأتي دور «ناباك» كمنصة استراتيجية. فمنذ تأسيسه، ينظم هذا الملتقى والمؤتمر سنويا بهدف رئيسي يتمثل في جذب الاهتمام الدولي نحو الجزائر، وتحويلها إلى وجهة حيوية للاستثمار والتعاون في مجال الطاقة.
وبطبيعة الحال، لا يقتصر دور «ناباك» على الجانب الترويجي وحده، وإنما يمتد ليشمل التواصل المباشر والمكثف مع مختلف مزودي التكنولوجيا والحلول التقنية المتطورة. والجدير بالذكر أن العديد من هؤلاء المزودين يمثلون فرعا تقنيا لا يتجزأ من كبرى الشركات الدولية الفاعلة في القطاع.
وفي هذا الإطار، لا تقتصر المشاركة على الشركات المنتجة فقط، وإنما تشارك كذلك شركات الخدمات المتخصصة التي لا تقدم تكنولوجيات جديدة ومبتكرة وحدها، باعتبارها تعمل في نفس الوقت على توسيع دائرة التواصل لتشمل شريحة أوسع من الفاعلين التقنيين والخبراء المتخصصين من مختلف أنحاء العالم.
ويجب أن نشير إلى أنه من المؤكد أن المهمة الجوهرية لـ»ناباك» تكمن في نقل التكنولوجيا بشكل مباشر، وتتمثل – في الوقت نفسه – في خلق بيئة حوار بناءة ومثمرة، واستقطاب صناع القرار والفاعلين الرئيسيين إلى الجزائر. والهدف الأسمى من ذلك هو تمهيد الطريق أمام هؤلاء الفاعلين لإبرام الصفقات والاتفاقيات الاستراتيجية التي من شأنها، على أرض الواقع، أن تفتح الباب أمام نقل التكنولوجيا المتطورة والحلول الابتكارية إلى الجزائر، بما يعزز من قدراتها الصناعية ويدعم مساراتها التنموية في قطاع الطاقة.



