تحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية رهان أساسي
يرى الباحث في العلوم الاقتصادية بجامعة تلمسان، الدكتور خلوف ياسين، أن المصادقة على مشروع قانون المالية لسنة 2027 في مجلس الوزراء الأخير، جاءت متزامنة مع قرار واضح بإدراج زيادات في الأجور ضمن ميزانية العام المقبل، إلى جانب توجيه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بعدم إدراج أي ضرائب من شأنها المساس بالقدرة الشرائية للطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود.
أوضح الدكتور خلوف ياسين، في تصريح لـ”الشعب”، أن رئيس الجمهورية انتقل من التعهد إلى البرمجة المالية بخصوص رفع الأجور خلال سنة 2027، حيث أعلن في وقت سابق التزامه بمواصلة رفع الرواتب ومعاشات التقاعد والمنح والأجر الوطني الأدنى المضمون، مع التأكيد على أن هذه التدابير ستتم تدريجيا بما يُراعي تطور الاقتصاد الوطني، والتوازنات الاقتصادية الكلية، والتحكم في التضخم.
وأبرز خلوف أن الحفاظ على الطابع الاجتماعي للدولة لا يعني فقط تقديم التحويلات والدعم، وإنّما يعني كذلك حماية الدخل الحقيقي للمواطن، فالزيادة في الأجر تكون ذات أثر اجتماعي حقيقي عندما لا تلتهمها الزيادات في الأسعار والضرائب، مشيرا أن تعليمة رئيس الجمهورية بعدم إدراج ضرائب تمس القدرة الشرائية، تكتسب أهمية خاصة؛ ذلك أن الجمع بين رفع الدخول من جهة، وعدم زيادة العبء الجبائي على الطبقة المتوسطة وذوي الدخل المحدود من جهة أخرى، يعكس توجها صادقا يرمي إلى حماية الدخل الحقيقي للأسر.
كما ينبغي التمييز بين الأجر الإسمي والأجر الحقيقي؛ لأن الأجر الاسمي هو المبلغ الذي يتقاضاه الموظف أو العامل، بينما يرتبط الأجر الحقيقي بقدرته الفعلية على شراء السلع والخدمات. ولذلك، فإن نجاح أي سياسة لرفع الأجور لا يقاس فقط بنسبة الزيادة في الرواتب، وإنما بما تحدثه من تحسّن فعلي في مستوى المعيشة. ومن هذه الزاوية، فإن قرار قانون المالية 2027 يمثل حلقة ضمن سياسة أوسع لحماية القدرة الشرائية للجزائريين، وهي السياسة التي ربطها رئيس الجمهورية بمحاربة المضاربة وضمان استقرار الأسواق، بحسب قوله.
جمع البعدين الاجتماعي والاقتصادي
يرى الدكتور خلوف ياسين، أن مشروع قانون المالية 2027، يأتي في إطار يجمع بين حماية القدرة الشرائية من جهة، ودعم الاستثمار المنتج وتنويع الاقتصاد وتقوية البنية التحتية من جهة أخرى، منوها إلى أنه يستهدف مواصلة توطين الاستثمار المنتج والمشاريع الهيكلية، مع الحفاظ على القدرة الشرائية وتعزيز التماسك الاجتماعي. وهذه المعادلة ضرورية؛ لأن الدولة لا تستطيع أن تحافظ على سياستها الاجتماعية على المدى الطويل من دون قاعدة إنتاجية صلبة وقوية.
وشرح خلوف أنه كلما توسّع الإنتاج الوطني، وارتفعت الإنتاجية، وتنوعت مصادر الدخل الوطني، أصبح تمويل السياسات الاجتماعية أكثر نجاعة واستدامة، وهو النهج الذي تسير عليه الدولة الجزائرية منذ تولّي رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، مقاليد الحكم قبل سبع سنوات.
واعتبر محدّثنا مشروع خط السكة الحديدية شمال جنوب “الجزائر العاصمة – تمنغست”، نموذجا حيّا لهذه الإستثمارات الكبرى، ويترجم البعد الاجتماعي في السياسة العمومية الذي لا يقتصر على الأجور والتحويلات، وإنّما يدفع نحو تشييد بنية تحتية وطنية خلاقة للثروة، ومحفّزة لمناخ الأعمال خاصة في ولايات الجنوب الكبير.
ويمكن لربط الشمال بالجنوب عبر شبكة السكك الحديدية، أن يساهم في خفض تكاليف النقل، وتسهيل حركة الأشخاص والبضائع، وربط مناطق الإنتاج بالموانئ والأسواق، وتشجيع الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتعزيز الاندماج الاقتصادي بين مختلف مناطق وأقاليم الوطن الكبير. كما أن موافقة مجلس الوزراء على تمويل الشطر الممتد من المنيعة إلى تمنغست من طرف البنك الإفريقي للتنمية، تضيف بعدا تمويليا واستثماريا هامّا لهذا المشروع الإستراتيجي، وفقا له.
الحفاظ على التوازنات المالية
أكد خلوف أن قراءة هذه القرارات ضمن مسار السنوات الأخيرة، يُبيّن أن البعد الاجتماعي ظل حاضرا في عدد من توجهات السياسة العمومية، من دعم القدرة الشرائية إلى رفع الأجور، ومواصلة دعم الفئات ذات الدخل المحدود والهشة، إلى جانب الاستثمار في قطاعات التعليم والصحة والسكن والبنية التحتية. لكن القيمة الحقيقية لهذه الإجراءات لا تتحدد فقط بحجم الإنفاق الاجتماعي، وإنما بقدرتها على تحقيق توازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية والنمو الاقتصادي.
وهنا تحديدا، تبرز أهمية قانون المالية 2027؛ لأنه ليس مجرد جدول للإيرادات والنفقات، بل يُمثِّل اختبارا لقدرة السياسة المالية على الجمع بين ثلاث ضرورات، تتعلق بحماية المواطن، وتحريك الاقتصاد، والحفاظ على التوازنات المالية الكبرى للدولة، يذكر المصدر ذاته.
ويعتقد خلوف أن ما يمكن تسجيله في قرارات مجلس الوزراء الأخير، هو أن رفع الأجور لم يعد مجرد وعد مستقبلي، وإنما أصبح مرتبطا مباشرة بالبرمجة المالية لموازنات الجمهورية، بعد أن وجه رئيس الجمهورية بإدراج الزيادات ضمن مشروع قانون المالية 2027 الذي تمّت المصادقة عليه في الاجتماع نفسه.

