ذاق أبناء شعبنا جميعا ويلات حربٍ طاحنة لم نشهد لها مثيلا. سمعنا صرخات الأمهات والأطفال والآباء، ورأينا عائلات فقدت أبناءها، وأطفالا فقدوا آباءهم وأمهاتهم، بل من لم يبقَ له من عائلته سوى طفلٍ وحيد يسأل بصوتٍ مكسور: “أمي، أمي، أمي… هل تعرفين أين أمي؟”.
فمن يُجيب طفلا لم يتجاوز السادسة؟ ومن يستطيع أن يشرح له لماذا غابت أمه، ولماذا لم تعد؟
هذه حكاية أمٍّ شاء لها القدر أن تبقى، بينما غاب زوجها، وغاب البيت، وغاب معه جزء كبير من حياتها.
كانت تعيش مع أبنائها في منزلٍ جمعَت فيه ما تملك، وحاولت أن تصنع فيه حياة آمنة وسعيدة. لكن حين اقتربت الحرب من منطقتها، اضطرت إلى مغادرة المنزل مع أبنائها، بينما بقي زوجها خلفها، رافضا الخروج، ومتمسكا ببيته.
طلب منها أن تعود، فقررت الرجوع إليه. وفي طريقها، أصرّ من حولها على أن تنتظر حتى الصباح، لعل الطريق يصبح أكثر أمانا.
لكن تلك الليلة لم تكن كغيرها.
دخلت قوات الاحتلال إلى المنطقة، وأُغلقت الطرق، ومنع الناس من الخروج أو العودة. بقيت المرأة بعيدة عن زوجها، تتصل به مرة، ثم مرة أخرى، تنتظر أن تسمع صوته.
وفجأة… انقطع الاتصال.
انتظرت، وهي مثقلة بالكِبَر والمرض والخوف. كان البعض يواسيها بالقول إن زوجها ربما أصبح أسيرا، أو أنه موجود في أحد مراكز الإيواء داخل المدارس. تمسكت بهذه الكلمات، لأنها كانت تبحث عن أي خيطٍ يقودها إلى الأمل.
لكن الحقيقة كانت أقسى.
هُدم المنزل على من فيه، واستُشهد زوجها، وبقيت جثته عالقة تحت الركام، بينما ظلت هي تحمل في قلبها سؤالا لا يهدأ: أين زوجي؟
وبعد فترة طويلة من الحصار، أُعلن عن فتح ممر يسمح للناس بالعبور. ذهبت مسرعة، تحمل في داخلها أملا أخيرا بأن تجد زوجها أو تعود إلى بيتها.
لكنها لم تجد أحدا.
لا زوجا، ولا بيتا، ولا شيئا من الأشياء التي كانت تملكها.
وجدت الركام فقط.
كانت تلك الصدمة أكبر من قدرتها على الاحتمال. تدهورت صحتها، وضعف بصرها بشدة، وكادت أن تفقد نور عينيها من كثرة البكاء وقسوة ما رأت.
لم تجد بيتا يأويها، ولا مكانا يستقر فيه قلبها. تنقلت من منزل إلى آخر، تحمل حزنها معها، وتبحث عن زاوية صغيرة تشعر فيها بالأمان.
وحين ضاقت بها الأرض، لم يبقَ لها سوى السماء.
رفعت يديها إلى الله، وتشبثت بالدعاء والصبر والرضا والثبات، مؤمنة بأن الإنسان قد يفقد البيت والأحبة، لكنه لا يفقد رحمة الله.
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾.
ربما لم تستطع هذه الأم أن تستعيد زوجها أو بيتها، لكنها بقيت تحمل في قلبها ما لا يستطيع الركام أن يهدمه: ذاكرة من تحب، وإيمانا بأن بعد كل هذا الليل فجرا، ولو طال الانتظار.






