فرص واعدة للتصدير المستدام وعقد شراكات وعلاقات تجارية
يمثل تنصيب اللّجنة متعدّدة القطاعات المكلفة بإعداد البرنامج الرّسمي لمشاركة الجزائر في التظاهرات الاقتصادية بالخارج لسنتي 2027 و2028، فرصة لإعادة بناء سياسة المشاركة الخارجية على أسس اقتصادية قابلة للقياس، بدل الاكتفاء بمنطق الحضور البروتوكولي أو الترويج للمنتجات.
أوضح رئيس مجلس الاستثمار والتعاون الدولي، حمروني إسماعيل، في تصريح لـ«الشعب”، أنّ دخول الأسواق الخارجية لا يتحقّق بمجرّد المشاركة في المعارض، بل يتطلّب رؤية واضحة ومنظومة متكاملة تبدأ بدراسة السوق وتكييف المنتج مع احتياجاته، وبناء شبكة من الشركاء، وضمان التمويل واللوجستيك، وصولا إلى تحويل اللقاءات إلى شراكات وعلاقات تجارية مستدامة.
فرص واعدة لتعزيز الصادرات
بخصوص إعطاء الجزائر الأولوية للسوق الإفريقية، قال المتحدث إنّ هذا التوجه سليم من الناحية الاستراتيجية، شريطة أن ينتقل من مستوى إعلان الأولوية إلى مستوى تحديد الأسواق والقطاعات والمنتجات والآليات التنفيذية، فإفريقيا ليست سوقا واحدة متجانسة، بل فضاء واسع يضم أسواقا تختلف في حجم الطلب، والقدرة الشرائية، والبنية التحتية، والأنظمة الجمركية، وأنماط الاستهلاك، ودرجة المخاطر، ووسائل الدفع.
في المقابل، توفّر الأسواق الإفريقية عدة مزايا للصادرات الجزائرية، أبرزها القرب الجغرافي واللوجستي، خاصة في أسواق الساحل وغرب إفريقيا، ورغم أنّ هذا القرب لا يعني بالضرورة انخفاض تكاليف التصدير، إلا أنه يتيح للجزائر تطوير سلاسل إمداد أقصر وأكثر مرونة، لاسيما من خلال الاستثمار في النقل البري والبحري، وإنشاء المخازن ومراكز التجميع والتوزيع، بالإضافة للطلب المتزايد على مجموعة من المنتجات والخدمات التي تمتلك الجزائر فيها قدرات إنتاجية أو فرصا واقعية للتوسّع، مثل الصناعات الغذائية، ومواد البناء، والأدوية والمستلزمات الطبية، والمنتجات الكيماوية، والتجهيزات الكهربائية، والمنتجات الفلاحية المحولة، والخدمات الرقمية والهندسية والتقنية، غير أنّ امتلاك القدرة على الإنتاج لا يكفي، فالمنتج يجب أن يكون مطابقا للمواصفات، تنافسيا في السعر، وقابلا للتسليم المنتظم.
وأشار محدثنا إلى تنويع الوجهات التصديرية، باعتبار أنّ الاعتماد على عدد محدود من الأسواق أو السلع يجعل الصادرات أكثر تعرّضا للصدمات الخارجية، أمّا التوسّع المدروس في الأسواق الإفريقية فيمكن أن يساعد على تخفيف المخاطر، وخلق طلب إضافي، وتحسين قدرة المؤسّسات على التخطيط والاستثمار.
وأبرز حمروني أهمية بناء شراكات إنتاجية في الأسواق الإفريقية، تشمل التصنيع المشترك والتوزيع والخدمات، بما يعزّز حضور المؤسّسات الجزائرية ويفتح المجال أمام الاستثمار ونقل الخبرة، كما توفّر منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية فرصا لتعزيز التكامل التجاري، خاصة مع تحسين قواعد المنشأ، وتسهيل الدفع والربط اللوجستي، وأكّد أنّ السوق الإفريقية ليست سوقا سهلة، فهناك تحديات تتعلّق بمخاطر الدفع، وتذبذب العملات، وضعف المعلومات التجارية، وصعوبة التوزيع، وتعدّد الإجراءات، والمنافسة القوية من منتجات آسيوية وأوروبية وتركية وغيرها، لذلك لا ينبغي أن تُبنى السياسة على افتراض أنّ القرب الجغرافي يمنح المنتج الجزائري أفضلية تلقائية، بل على اختبارات سوقية وبيانات تجارية وعمليات بيع فعلية.
معايير اختيار الأسواق والمعارض الخارجية
من بين المعايير الاقتصادية التي ينبغي اعتمادها لاختيار المعارض والأسواق المستهدفة، قال حمروني، حجم الطلب وقابليته للنمو، إذ يجب قياس حجم واردات السوق المستهدفة، وتطورها خلال السنوات الأخيرة، ومعدل نمو الطلب، ومصادر التوريد الحالية، والأهم هو تحديد ما إذا كان الطلب قائما على منتجات يمكن للمؤسّسات الجزائرية توفيرها باستمرار، وليس فقط بوجود سوق كبير من الناحية النظرية، إذ ينبغي مقارنة المنتج الجزائري بالمنتجات المنافسة من حيث السعر، الجودة، شروط التسليم، خدمات ما بعد البيع، والشهادات المطلوبة، فالسوق الجاذبة ليست بالضرورة السوق التي تستورد أكثر، بل التي توجد فيها فجوة قابلة للاستغلال لصالح المنتج الجزائري.
وأشار محدثنا إلى قابلية النفاذ إلى السوق من خلال تحليل الرسوم الجمركية، والحواجز غير الجمركية، وقواعد المطابقة، والتراخيص، ومتطلّبات التغليف والوسم، وشروط تسجيل المنتجات، والقيود الخاصة بالقطاعات الحساسة، إذ أنّ تجاهل هذه العناصر يؤدي إلى مشاركة تسويقية تنتهي عند المعرض ولا تصل إلى رفوف المتاجر أو مواقع المشاريع.
ويستند اختيار الأسواق الخارجية – يقول حمروني – إلى دراسة كلفة الوصول إليها، بما يشمل النقل، الشحن، التخزين والتخليص الجمركي، إلى جانب تقييم مخاطر العملة والدفع والاستقرار القانوني والسياسي. كما يتطلّب ذلك اعتماد آليات للحدّ من المخاطر، مثل التأمين على الائتمان والضمانات البنكية ووسائل الدفع الآمنة.
كما ينبغي توجيه الجهود نحو الأسواق التي تضم مشترين وموزّعين حقيقيين، وتوفّر فرصا لبناء شراكات وعقود توريد طويلة الأمد، وليس مجرّد صفقات ظرفية، ويجب أيضا ربط الترويج الخارجي بقدرات الإنتاج الوطنية، لضمان قدرة المؤسّسات الجزائرية على تلبية الطلب من حيث الكمية والجودة والانتظام.
وبناءً على هذه المعايير، يمكن تصنيف الأسواق إلى ثلاث فئات: أسواق ذات أولوية فورية، وأسواق تجريبية تحتاج إلى اختبارات محدودة، وأسواق استراتيجية بعيدة المدى تتطلّب استثمارات وشراكات قبل دخولها، كما يمكن منح كل سوق نقطة تقييم مركّبة، مع مراجعة النتائج سنويا وفق العقود المحقّقة وتكلفة الترويج والعائد على المشاركة.
من المعرض إلى التصدير
بشأن المشاركة الناجحة في المعارض، تبدأ عبر إعداد ملف دقيق عن السوق يشمل الزبون والمنافسين والأسعار وشروط الاستيراد والمواصفات وقنوات التوزيع وتكاليف اللوجستيك، كما يجب اختيار المؤسّسات الجاهزة للتصدير من حيث مطابقة المنتج والقدرة الإنتاجية والشهادات والسعر والقدرة على التفاوض، مع برمجة لقاءات مسبقة مع المشترين المستهدفين.
وينبغي تحويل الجناح إلى منصّة للأعمال والصفقات، وليس مجرّد فضاء لعرض المنتجات، من خلال توفير العينات والمواصفات والأسعار وشروط التسليم ومساحات التفاوض. كما يجب أن تفضي اللقاءات إلى خطوات عملية، كطلب عينات أو عروض أسعار أو تجارب توريد أو عقود أولية، مع تحديد مسؤول وموعد للمتابعة.
وتتطلّب العملية مرافقة الفرص في مجالات التمويل، الشحن، التأمين والمطابقة، مع متابعة تمتد لستة أشهر على الأقل، عبر قاعدة بيانات وتقارير دورية حول العروض والطلبات والعقود والقيمة المحقّقة لذلك، ويقاس نجاح المشاركة بحجم الصفقات والعقود والصادرات المحقّقة، وليس بعدد اللقاءات أو المشاركين والتغطية الإعلامية.
ولتقييم فعالية المشاركة في المعارض والأسواق الخارجية، يمكن اعتماد مؤشّرات تشمل قيمة العقود والصادرات المحقّقة، وعدد المشترين الجدد، ونسبة تحول اللقاءات إلى عقود، وتكلفة الحصول على العميل، وعدد الشراكات، وحجم الصادرات المتكرّرة، إضافة إلى المؤسّسات التي دخلت السوق لأول مرة واستمرّت فيها، كما يجب التمييز بين العقود الموقّعة والصادرات الفعلية، فالعقد لا يصبح نتيجة اقتصادية كاملة إلا بتنفيذه وتحصيل قيمته واستمرار العلاقة التجارية.
نحو استراتيجية مستدامة للصادرات
يتطلّب نجاح مشاركة الجزائر في التظاهرات الاقتصادية الخارجية -وفق حمروني- تنسيقا أفضل بين القطاعات، وإنشاء قاعدة بيانات موحّدة حول الأسواق والمنتجات والمواصفات واللوجستيك ونتائج المشاركات السابقة، كما يُستحسن اعتماد تخصّص قطاعي وجغرافي يوجّه كل منتج نحو الأسواق التي تتوفر فيها فرص حقيقية، بما يرفع فرص الصفقات ويقلص النفقات، كما ينبغي تعزيز الدور الاقتصادي للملحقيات التجارية والبعثات الدبلوماسية، وتزويدها بمعلومات محدثة، مقابل تشجيع القطاع الخاص على بناء استراتيجيات تصدير واضحة، والاستثمار في الجودة ودراسة الأسواق وخدمات ما بعد البيع، والتكتل لضمان الكميات والانتظام، لأنّ الترويج لا يعوّض ضعف التنافسية.
وعليه، تبقى السوق الإفريقية خيارا استراتيجيا للصادرات الجزائرية، لكن نجاحه يتطلب اختيارا دقيقا للأسواق، وتحضير المؤسّسات، وتوفير التمويل والتأمين واللوجستيك، ومتابعة النتائج بعد المعارض، والهدف هو الانتقال من المشاركة الظرفية إلى بناء أسواق مستدامة وتحويل اللقاءات إلى عقود وشراكات إنتاجية.



