الانتقال من هندسة المؤسّسات إلى هندسة النتائج على أرض الواقع الإفريقي
مواجهة فجوات البنية التحتية والتحول الطاقوي.. رهانات إفريقيا المعاصرة
أوضح الباحث في الشؤون السياسية الإفريقية والدولية، الدكتور عزوز بركاني، أنّ خطاب رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، بقمة الدول المؤسّسة لمبادرة الشراكة من أجل تنمية إفريقيا (نيباد)، أتى في ظرف قاري وعالمي شديد التعقيد، تتقاطع فيه التحوّلات الجيوسياسية مع التّغيّرات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية والطاقوية والغذائية والرقمية، وتُعيد فيه مسألة السيادة بمختلف أبعادها تشكيل أجندة العلاقات الدولية.
كشف الدكتور عزوز بركاني، في تصريح لـ«الشعب”، أنّ استحضار إرث الآباء المؤسّسين كأساس للرؤية المستقبلية لإفريقيا، الذي ورد ضمن خطاب رئيس الجمهورية، يُبيّن المكانة الواضحة للتاريخ السياسي والفكري القاري، وذلك بالنظر إلى مشروع “نيباد” المولود ضمن مسار طويل من محاولات إفريقية لبناء نموذج تنموي مستقل، بدأ في مراحل مبكّرة ما بعد الاستقلال، مشيرا إلى أنّ الرئيس الراحل هواري بومدين، هو أحد هؤلاء الآباء المؤسّسين لهذه المبادرة التي تكتسي دلالة سياسية وتاريخية عميقة وبالغة الأهمية، خاصة فيما تعلق بالجزائر، في لفتة تؤكّد على أنها ماضية ومستمرّة في دعم مشروع التحرّر من الاستعمار، وتنمية القارة السّمراء، وتحقيق سيادتها الكاملة.
وإذا كان التحرّر في مرحلة الستينيات والسبعينيات، مثلما يرى محدثنا، قد ارتبط بإزالة ما تبقى من الاستعمار السياسي والعسكري، فإنّ التحدي الراهن يتمثل في تجاوز أشكال أخرى من التبعية والهيمنة عبر التنمية المالية والتكنولوجية والغذائية، وهنا، “يُفهم من خطاب رئيس الجمهورية فكرة رئيسية ومركزية أنّ السيادة السياسية تكتمل عندما تتحقّق الخيارات الاقتصادية الاستراتيجية وتنعتق من التبعية الخارجية”.
وقال بركاني إنّ الرئيس تبون كان واقعيا في خطابه، من خلال ضبط مفاهيم المرحلة الراهنة؛ لأنّ التحرّر السياسي الإفريقي، رغم أهميته التاريخية، إلاّ أنه لا يكتمل ما لم تدعمه قاعدة اقتصادية مستقلة وقادرة على إنتاج الثروة وتمويل التنمية المحلية، والاستقلال الاستراتيجي لا يعني الانغلاق أو قطع العلاقات مع الدول، وإنما يعني امتلاك القدرة على اتخاذ القرار الوطني والقاري.
واليوم – يقول محدثنا – يشهد العالم إعادة تشكيل سلاسل القيمة الدولية، وتنافسا حادا على الموارد الاستراتيجية، وتصاعدا في أهمية المعادن الحيوية والتكنولوجية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والممرّات التجارية الحيوية وغيرها، بحسب قوله.
من لاغوس إلى “نيباد”.. ربع قرن للتقييم
أبرز الدكتور بركاني أنّ من بين النقاط الأكثر أهمية في خطاب رئيس الجمهورية، دعوته إلى التوقّف عند مسيرة “نيباد” بعد خمسة وعشرين عاما من تأسيسها، حيث انتقل الخطاب من مضامين “الاحتفاء” إلى المراجعة النقدية، في نقلة مهمة جدّا في التفكير المؤسّساتي من شأنها تحويل التقييم من ممارسة إدارية إلى أداة لصناعة القرار الإفريقي الصحيح.
ودعا الخطاب، كما نبّه عزوز، عمليا إلى وضع المبادرة تحت “مجهر التقييم” من خلال دعوته إلى قياس الفجوة بين الطموحات والنتائج، والانتقال كذلك من هندسة المؤسّسات إلى هندسة النتائج على أرض الواقع.
وإذا كان إطلاق “نيباد” قد جاء في سياق دولي معيّن، فإنّ البيئة التي تعمل فيها إفريقيا اليوم أصبحت أكثر تعقيدا واضطرابا، ومن رهاناتها فجوات البنية التحتية، والتصنيع المحلي، والتمويل، بالإضافة إلى المديونية الخارجية والأمن والاستقرار والسيادة الرقمية والتكنولوجية، وكذا تحدي الانتقال الطاقوي في إفريقيا، وهو التحدي الذي تضعه الجزائر في صميم اهتماماتها من أجل قارة أكثر نماء وازدهارا، وفقا له.
خيارات استراتيجية..
يرى بركاني أنّ الجزائر جعلت من انتمائها الإفريقي خيارا استراتيجيا ثابتا، وهذه العبارة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا، ولا تقدّم إفريقيا باعتبارها مجرّد محيط جغرافي فقط، وإنما كفضاء حيوي يظهر من خلال تبنيها مجموعة من المشاريع الاستراتيجية، مثل تجسيد مشروع أنبوب الغاز العابر للصّحراء “نيجيريا -النيجر -الجزائر”، ومشروع الطريق العابر للصّحراء نحو دول الساحل، وطريق تندوف الزويرات في موريتانيا، بالإضافة إلى المشروع الاستراتيجي الذي يربط دول إفريقيا رقميا ويتعلّق بمشروع الألياف البصرية العابر للصّحراء.
وتتبلور هذه الرؤية السديدة بعدم توقّف الجزائر عند منظور توطين مشاريع البنية التحتية، لتضع الإنسان في قلب الرهانات التنموية الكبرى، وهو ما أشار إليه رئيس الجمهورية في مساهمة الدولة الجزائرية منذ الاستقلال في تكوين عشرات الآلاف من الإطارات الإفريقية، واستمرارها في توفير فرص التكوين والمنح الدراسية للطلبة الأفارقة. وبذلك، يصبح الإنسان الإفريقي -في الرؤية التي يعكسها الخطاب- فاعلا مباشرا في التنمية، وليس موضوعا لها.
السيادة المالية شرط التنمية
أكّد بركاني أنّ موضوع التمويل باعتباره أحد الروافد الاستراتيجية للتنمية، كان ضمن محاور خطاب رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، وهو ما يظهر حجم إدراك الجزائر لتحديات التنمية الإفريقية؛ لأنّ امتلاك المشاريع دون وسائل تمويلها يجعل من السيادة محدودة ورهينة خيارات خارجية، إذ شدّدت على ضرورة تعبئة الموارد الإفريقية، وتوجيه المدّخرات الداخلية نحو التنمية المحلية، بالإضافة إلى تقوية المؤسّسات المالية القارية للاضطلاع بدورها في تمويل البرامج التنموية بدول المنطقة .
وتكتسي هذه الدعوة أهميّتها، وفقا لمحدثنا، من كونها تربط بين ملف مالي وآخر سياسي أوسع، ضمن إعادة بناء قواعد نظام اقتصادي عالمي يراعي احتياجات الدول الإفريقية، ويرفع عنها الظلم التاريخي الذي تعرّضت له خاصة في حقبة الاستعمار البغيض.
وهنا، تظهر الوكالة الجزائرية للتعاون الدولي من أجل التضامن والتنمية، باعتبارها واحدة من أدوات السياسة الخارجية تجاه تنمية القارة الإفريقية، فهي تساهم في مرافقة وتمويل المشاريع في مجالات البنية التحتية والمياه والصحة والتعليم والطاقة بدول المنطقة، وفي هذا السياق، يجدر التذكير بما قامت به الجزائر عام 2025، عندما أطلقت، بقرار من رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، صندوقا لتمويل المؤسّسات الناشئة والمبتكرين الشباب في إفريقيا.


