رئيس الجمهورية استعاد للبلاد دورها الطبيعي كفاعل إفريقي وعالمي
الدبلوماسية الجزائرية.. جبهة نضال راسخة في ثورة التحرير المباركة
عـــدم الانحيـاز والدفاع عــن تقريـر المصــير.. بوصلة السياسة الخارجية
تُحيي الجزائر اليوم، الثامن من أكتوبر، اليوم الوطني للدبلوماسية الجزائرية، وهو تاريخ يخلّد مسارا حافلا بالإنجازات المضيئة.. مسار ارتبط تاريخيا باندلاع الثورة التحريرية، وجعل من تكريس حضور الجزائر في محيطها العربي والإفريقي والدولي، وبناء سياسة خارجية جعلت من الدفاع عن السيادة، ودعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وتسوية النزاعات بالطرق السلمية، وتعزيز التعاون بين الدول، ثوابت أساسية في تحرّكها الدبلوماسي.
رسم رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، سياسة خارجية أعادت للجزائر دورها الطبيعي كفاعل ومؤثر في القارة الإفريقية، نحو استكمال الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي، ومواصلة العمل مع المجتمع الدولي بمبدأ عدم الانحياز والاحتفاظ بالصداقة مع جميع القوى الكبرى، وهو السياق الخاص الذي يتم فيه الاحتفال هذا العام، بيوم الدبلوماسية، وهو اليوم الذي انضمت فيه الجزائر رسميا إلى منظمة الأمم المتحدة، دولة مستقلة ذات سيادة.. يوم 08 أكتوبر 1962.
وشكّلت الدبلوماسية منذ الثورة التحريرية، جبهة للنضال بالموازاة مع الكفاح المسلّح، حيث تولّت تدويل القضية الجزائرية، وهو أحد أبرز إنجازاتها خلال الثورة التحريرية، أين عملت جبهة التحرير الوطني على إيصال صوت الثورة إلى العالم، واستثمار المحافل الدولية والإقليمية للتعريف بالقضية الجزائرية وحق الشعب الجزائري في الاستقلال.
ومن مؤتمر باندونغ عام 1955 الذي أتاح للثورة التحريرية المباركة فضاء دوليا للتعريف بالقضية الجزائرية ضمن حركة الشعوب المناهضة للاستعمار، إلى طرح القضية الجزائرية أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، فرضت الدبلوماسية الجزائرية قضية تحرير البلاد لتصبح مسألة إنهاء الاستعمار في الجزائر جزءا من النقاش الدولي، الأمر الذي ساهم في تعزيز الحضور الدولي للقضية الجزائرية.
مكة الثوار ومعقل الأحرار
بعد الاستقلال، ورغم حداثة عهدها، واصلت الجزائر دعم حركات التحرّر، وتمسّكت سياستها الخارجية بمبدأ دعم حق الشعوب في تقرير مصيرها، ومناهضة الاستعمار والفصل العنصري، ونصّبت قاعدة مهمة لحركات التحرّر حول العالم، كما كانت الجزائر محطة مركزية توافد إليها قادة حركات التحرّر في العالم، حتى وصفها أميلكار كابرال، زعيم الحزب الإفريقي لتحرير غينيا وجزر الرأس الأخضر بـ«مكة الثوار”، وقال عنها مروان البرغوثي، أحد قادة حركة فتح الفلسطينية، إنها مصدر إلهام لتأسيس الحركة، واعتبرها نموذجا يُحتذى به لقادة “فتح” المؤسّسين.
وتركت الدبلوماسية الجزائرية بصمتها الخالدة في أيقونة مناهضة الأبارتايد بجنوب إفريقيا، نيلسون منديلا، الذي تلقى تدريبه العسكري بالجزائر حتى قبل أن تنال الجزائر استقلالها، قبل أن يعود إلى زيارتها في 1990، لكن بوصفه رئيسا لجمهورية جنوب إفريقيا، وكانت أول دولة يزورها بعد توليه رئاسة البلاد، عرفانا بالجميل.
ومن أهم قضايا التحرّر التي ساندتها الجزائر ومازالت، نذكر القضية الفلسطينية التي تحتل مكانة ثابتة في العمل الدبلوماسي الجزائري، كما ظلت الجزائر تؤكّد في المحافل الدولية والإفريقية مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها، وهو المبدأ الذي يشكّل أحد المرتكزات التاريخية لسياستها الخارجية، ولا يختلف الأمر بالنسبة للقضية الصّحراوية، التي ترافع الجزائر لصالح حقّها في تقرير المصير، وإنهاء آخر جيوب الاستعمار في إفريقيا، وأقدمها.
وساطات أنهت أعقد الأزمات
لم يقتصر الأمر على دعم قضايا التحرّر، فمنذ السنوات الأولى للاستقلال، برزت الدبلوماسية الجزائرية في أدوار الوساطة والحوار لإنهاء أزمات دولية، وأهم تلك الوساطات أزمة الرهائن الأمريكيّين في إيران عام 1980، فقد أسهمت المفاوضات التي رعتها الدبلوماسية الجزائرية في التوصّل إلى اتفاقيات الجزائر شهر جانفي 1981، وأفضت إلى تحرير الرهائن.
على المستوى الإفريقي، ارتبط الدور الدبلوماسي الجزائري، خصوصا في منطقة الساحل، بمبدأ تسوية النزاعات عن طريق الحوار، ولعل أبرز الوساطات في إفريقيا هي الأزمة المالية، حيث ساهمت الجزائر -على مدار عقود- في وقف الصراع بتوقيع اتفاقات سلام بين أطراف النزاع هناك، كان آخرها اتفاق السلام للعام 2015.
وفي أقصى شرق القارة، نجحت الجزائر في إنهاء واحد من أعقد النزاعات، ويتعلّق الأمر بالنزاع بين إثيوبيا وإريتيريا، وقادت وساطة ناجحة أدت إلى توقيع اتفاقية الجزائر عام 2000، انتهت بموجبها الحرب الحدودية بين البلدين.
ولم تقتصر الرؤية الجزائرية لإفريقيا على البعد السياسي، فقد اتّجهت تدريجيا نحو دعم التعاون الاقتصادي والأمني والتنمية والاندماج القاري، بداية بطريق الوحدة الإفريقية بين الجزائر ولاغوس، وصولا إلى خط الأنابيب العابر للصّحراء، لإيصال الغاز من نيجيريا والنيجر إلى أوروبا، وتستند الجزائر في هذا إلى موقعها الجغرافي وصلاتها التاريخية بدول الساحل والصّحراء.
في هذا الإطار، تولي الجزائر أهمية لمسائل مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود، وتعزيز الأمن والاستقرار، وتشجيع التنمية والتكامل الاقتصادي، باعتبارها عناصر مترابطة في بناء الاستقرار الإفريقي.
الدفاع عن التعدّدية الدولية
في المنابر الدولية، تدافع الدبلوماسية الجزائرية عن مبدأ التعدّدية الدولية وضرورة احترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، وتجلّى ذلك خصوصا في عضويتها غير الدائمة في مجلس الأمن الدولي عدة مرات، كان آخرها خلال الفترة 2024-2025 حيث ركّزت في بياناتها ومواقفها الرسمية، على قضايا السلم والأمن الدوليّين، والقضية الفلسطينية، ومكافحة الإرهاب، وتعزيز التعاون بين الدول. وتميّزت المشاركة الجزائرية بأهمية خاصة بالنسبة للجزائر، باعتبار مجلس الأمن أحد أهم المنابر الدولية لصنع القرار في مجال السلم والأمن.



