ليس التراث الفلسطيني الذي نراه من تحف قديمة عليها آثار القِدَم، أو بيوت قديمة لها من العمر آلاف السنين، حتى إنها ليست صفحات طُويت في كتب المؤرخ والكاتب والعالم والفيلسوف، إنما هو ذاكرة حية وتاريخ نراه على هيئة صورة الإنسان الفلسطيني الذي يعيش فيه، صورته وهيئته وأحاديثه وعاداته وتقاليده.
صورة الإنسان الفلسطيني العالق في منتصف الذاكرة، العالق في أرضه وأرض الأجداد. التراث أكثر من كونه شيئا يُرى، إنما هو شيء نفعله دائما حتى يظهر للعالم (فلسطين الكنعانية) القديمة بكل ما فيها، الناطقة بتراثها ليس فقط بالقول، حتى بالفعل.
التراث الفلسطيني ليس بسيطا كما عنوانه، إنما هي حكاية مجتمع وأجيال تتوارث يوما بعد يوم، حتى تُخزَّن في الذاكرة التي طالما سمعنا حكايات وحكايات من أجدادنا وغيرهم من الذين رأوا التاريخ ولم يكتبوا عنه.
من الذين فعلوا قبل أن ينطقوا!!
للتاريخ والتراث الفلسطيني ملامح مُبهجة ونكهته الخاصة التي لم تحصل عليها أي دولة أخرى، فمن فوهة هذا التراث تستطيع أن ترى عالما مفعما بالحياة، عالم يتخلله الكثير من الحكايات والكثير من الذكريات التي لا يستطيع أي واقع أن يغير شبرا فيها.
سواء كان التراث الفلسطيني في الأعراس الشعبية، أو الزي المطرز بخيوط ملونة زاهية، ترى الفن الشعبي يزور الذاكرة أكثر من أي فن، حتى إن كل وخزة إبرة في الثوب تحاكي قصة وعنوانا مختلفا.
ومن هذا الصرح توثَّق تلك الذاكرة، وذلك التراث الفلسطيني الذي نعيشه ونشعر به ونتحدث عنه بأبهى الكلمات والصور والمنطق، وكيف أنه هو جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني المكلوم الذي يسعى جاهدا حتى يتم طمسه في أفكار الغرب وترك ما كان عليه أجدادنا.
وهناك عدة رموز خاصة لفلسطين وتراثها، الشاهد والشهيد، كَمثل:
الكوفية: والتي لبسها الكبير والصغير في حراثة الأراضي، مع الزي التقليدي الذي اعتاد أن يُلبس في أي عمل في الأراضي وغيرها من أعمال الفلاحة، ولبسها الشهداء في أكفانهم، وقطف الزيتون تحتها، حتى إنها أصبحت رمزا معروفا لفلسطين وروحا لها.
والأمر ليس فقط في اللباس، وإنما في الطعام، حيث يحتفظ التراث الفلسطيني في الذاكرة بطعام اعتاد عليه الفلسطيني في أكله، مثل المفتول والمقلوبة والمسخن، وحتى أطباق القدرة ومناقيش الزيت والزعتر كأحد الوجبات الأساسية في فلسطين.
خاصة إذا اجتمعت العائلة كلها في بيت الأجداد (الحوش)، مما يزيد الممارسة الاجتماعية والترابط الأسري، وحتى يبقى الجيل يحاكي ذلك الواقع، ويبقى التاريخ حيّا لا يسقط بسقوط بعضه.
ولكم في الأمثال الشعبية نوعا آخر من العادات، إذ يتم تداول الأمثال فيما بينهم وقت الحصاد، ووقت الأعراس، وفي أي مناسبة كأحد الأشياء المعتمد عليها، مثال:
أجت الحزينة تفرح، ما لقت لها مطرح.
الدار دار أبونا، أجو الغرب يطردونا.
رجعت حليمة لعادتها القديمة.
وغيرها من الأمثال التي كانت متداولة على ألسنة العائلات والنسوة في القرى خاصة؛ لأن القرى تحمل دائما رسالة واضحة لحكايات لما فيها من بيوت قديمة وحياة بسيطة من تربية الأغنام والحصائد وخبز الطابون وغيرها من أعمال الفلاحة، التي طالما عشنا بها أكثر من سماعها، وطالما كانت الأمثال والقرى حكاية هادفة إلى يقظة الذاكرة وحمايتها من تسلل الشوائب والشكوك والطمس.
ولكن السؤال الذي بقي يلاحقنا!!
أين نحن عن هذا التراث، وعن أفعالنا به؟ أين ذهبت تلك العادات التي عاشها الأجداد؟ وأين ذهبت تلك الحكاية؟
هو ليس سؤالا نجيب عنه، إنما نريد أن نبحث عنه خلف كل حجرة، وخلف كل حاجز، وخلف الواقع الذي دُمج فيه الفكر الغربي مع الفكر الفلسطيني، حتى لم يبقَ إلا فئة قليلة جدا ممن يتمسك بتلك الذاكرة.
ونهاية القول:
إنما التراث الفلسطيني هو ذاكرة، هو مجتمع بأكمله، هو يقظة الحفاظ عليها والتمسك بها بالنواجذ، هو إحياء فكر قديم بأسلوب مرن للذاكرة.
حين يصبح الإنسان بلا تراث، فهو بلا وطن وبلا هوية.
لذلك لا بد من أن يتم إنقاذ الذاكرة من أي طمس يهدد مصلحة التراث الفلسطيني.





