*هادف لـ”الشعب”: مجالات واسعة لتعاون استراتيجي بين الجانبين
اختتمت بالعاصمة النرويجية أوسلو، الخميس، أشغال الدورة 15 للقمة الاقتصادية الإسكندنافية-الإفريقية بمشاركة مميزة للجزائر كضيف شرف خاص والتأكيد على توسيع آفاق التعاون والتوجه نحو شراكة قائمة على الاستثمار ونقل التكنولوجيا.
وفي السياق، أبرز المستشار الدولي عبد الرحمن هادف في تصريح لـ” الشعب” أن مشاركة الجزائر بصفتها ضيف الشرف الخاص في القمة الاقتصادية الإفريقية الاسكندينافية، تفتح آفاقا جديدة للتفكير في مستقبل العلاقات الاقتصادية بين الجزائر ودول شمال أوروبا، في سياق دولي تتزايد فيه أهمية تنويع الشراكات.
أفاد هادف أن الجزائر تتجه اليوم إلى إعادة تشكيل نموذج نموها من خلال تنويع القاعدة الإنتاجية، وتشجيع الاستثمارات المنتجة، وتعزيز التصنيع، ورفع مساهمة القطاعات خارج المحروقات في خلق الثروة ومناصب الشغل، وفي المقابل، تمتلك دول شمال أوروبا خبرات معتبرة في الصناعات المتقدمة، والطاقات النظيفة، والرقمنة، وإدارة الموارد، والابتكار، وهي مجالات تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية للطرفين، من استقطاب الاستثمار إلى بناء شراكات منتجة.
تتمثل إحدى أهم نقاط القوة التي يمكن للجزائر في منظور الخبير، تقديمها لشركائها في شمال أوروبا في الجمع بين موقعها الجغرافي الاستراتيجي، ومواردها الطبيعية، وبنيتها التحتية، وسوقها الداخلية، وإمكانية الوصول منها إلى الأسواق الإفريقية، فضلا عن ارتباطها الاقتصادي والتجاري بالفضاء الأوروبي، مؤكدا أنها لم تعد مجرد سوق للاستهلاك أو مصدر للطاقة والمواد الأولية، بل يمكن أن تتحول إلى قاعدة إنتاجية إقليمية للمؤسسات الأوروبية الراغبة في تطوير أنشطتها الصناعية والتجارية في شمال إفريقيا، والتوسع نحو الأسواق الإفريقية التي تتيحها منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية.
وذكر محدثنا أن هذا التوجه تعزز بالإصلاحات التي عرفها الإطار القانوني للاستثمار، ولا سيما القانون رقم 22-18 المتعلق بالاستثمار، وما يرتبط به من آليات لتسهيل الإجراءات ومرافقة المستثمرين.
ويبرز هادف الموقع المهم الذي تحتله الطاقة في هذه المعادلة، بالنظر إلى مكانة الجزائر في أسواق الغاز وإمكاناتها الكبيرة في مجال الطاقات المتجددة، ويرى عدم اختزال الشراكة في تصدير المحروقات أو الطاقة، لأن ذلك لن يسمح بالاستفادة الكاملة من فرص التعاون المتاحة، ففي مجال الطاقات المتجددة والهيدروجين الأخضر، قال الخبير هادف أن الجزائر تستطيع تقديم فرص استثمارية مرتبطة بتطوير محطات الطاقة الشمسية، وتصنيع بعض مكوناتها محليًا، وتطوير خدمات الهندسة والصيانة، وتكوين الموارد البشرية، ودراسة المشاريع الصناعية التي تستفيد من الطاقة النظيفة، مستطردا أن توسيع التعاون في كفاءة الطاقة وتخزينها وإدارة الشبكات الكهربائية.
وفيما يخص القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية، يعتقد هادف أن هناك فرص لتطوير استثمارات مشتركة في الزراعات الاستراتيجية، والري الذكي، والزراعة الدقيقة، والبذور، والتخزين والتبريد، والتحويل الصناعي للمنتجات الفلاحية، وتزداد أهمية هذا التعاون في ظل التحديات المرتبطة بالأمن الغذائي وشح المياه والتغيرات المناخية.
كما توفر الثروة السمكية والساحل الجزائري فرصا أخرى للتعاون – يضيف الخبير – خاصة في تربية الأحياء المائية، وتقنيات الاستزراع السمكي، والتبريد، والتحويل الغذائي، وتحسين سلاسل التوزيع، ويمكن للجزائر الاستفادة من الخبرة النرويجية في الصناعات البحرية وتربية الأسماك، مع تكييفها مع خصوصيات البيئة المحلية ومتطلبات الاستدامة.
وهناك شراكات يمكن تطويرها مع المؤسسات الاسكندينافية على غرار الصناعات الصيدلانية – يقول هادف – يمكنها أن تتجاوز استيراد المنتجات النهائية نحو إنتاج الأدوية والمستلزمات الطبية، وتطوير مراقبة الجودة، والبحث والتطوير، والتصنيع التعاقدي، والتكوين المتخصص.
وتتيح التكنولوجيا الرقمية مجالا واسعا للتكامل – يؤكد هادف- وذلك من خلال تطوير الحلول الصناعية الذكية، والذكاء الاصطناعي، والخدمات الرقمية، والأمن السيبراني، وإدارة البيانات، ورقمنة المؤسسات والإدارات، لافتا إلى أن الجزائر يمكن أن توفر في هذا المجال سوقا لتطبيق الحلول التكنولوجية، وكفاءات بشرية قابلة للتطوير، وفرصا لبناء أنشطة خدماتية وصناعية ذات قيمة مضافة أعلى.
وتحدث هادف عن إمكانية تحويل هذه المقومات إلى مشاريع استثمارية تنتج داخل الجزائر، وتستحدث مناصب شغل مؤهلة، وتطور الموردين المحليين، وتسمح للمؤسسات الجزائرية بالمشاركة تدريجيا في سلاسل القيمة الدولية، مؤكدا أن فرص الاستفادة من هذه الشراكة لا تقل أهمية عن المقومات التي تقدمها الجزائر، مشيرا إلى أن التجارب الاسكندينافية لا توفر التكنولوجيا فحسب، بل تقدم أيضا نماذج في تنظيم الأسواق، وإدارة المؤسسات، والابتكار، والتكوين، وتحويل المعرفة إلى منتجات وخدمات تنافسية.

