مع أولى نسمات الصباح، يدبّ النشاط في سوق النحاس المعروف لدى القسنطينيين بسوق باردو، حيث تتعالى أصوات المطارق في تناغم مع حركة الحرفيين داخل الورشات، بينما تتلألأ الأواني والتحف النحاسية في واجهات المحلات، معلنة عن موسم صيفي يعد الأكثر حركية بالنسبة لأصحاب هذه المهنة العريقة.
ويعدّ سوق باردو واحدا من أشهر الأسواق التقليدية بمدينة قسنطينة، ومن أبرز الفضاءات التي حافظت على صناعة النحاس عبر الأجيال، فمنذ قرون، ارتبط هذا السوق بالحرفيين الذين أبدعوا في تشكيل النحاس ونقشه، حتى أصبح مقصدا للباحثين عن المنتجات التقليدية الأصيلة، ورمزا من رموز التراث الثقافي والاقتصادي للمدينة.
وتتغير ملامح السوق في كل مرة يحلّ فيها فصل الصيف مقارنة بالفصول الأخرى، حيث يتزايد توافد الزبائن من مختلف ولايات الوطن، إلى جانب أفراد الجالية الجزائرية المقيمة بالخارج الذين يحرصون على اقتناء الأواني والتحف النحاسية كهدايا تذكارية أو لتزيين منازلهم بقطع تحمل روح سيرتا، كما يساهم موسم الأعراس والاحتفالات العائلية في ارتفاع الطلب على صواني تقديم القهوة والشاي، والأباريق، والمباخر، والثريات، والأطباق المزخرفة، وغيرها من القطع التي تجمع بين الوظيفة والجمال.
داخل إحدى الورشات، يواصل عمي كمال، أحد الحرفيين المعروفين بسوق باردو، عمله وسط أصوات الطرق على النحاس، في مشهد يعكس سنوات طويلة من الخبرة، وبينما ينقش زخارف دقيقة على إحدى “السينيات”، يقول لـ«لشعب” أنه “متمسكون بهذه الحرفة فهي تتجاوز كونها مجرد مصدر رزق، بل تاريخ وهوية ورثناهما عن آبائنا وأجدادنا، ورغم ارتفاع أسعار النحاس والمواد الأولية، لن نفرط في حرفة تختزل تفاصيلها ذاكرة أمة”.
وعلى بعد أمتار، كان عمي حسين يضع اللمسات الأخيرة على إبريق نحاسي قبل عرضه للبيع، مؤكدا أن سر تميز النحاس القسنطيني يكمن في العمل اليدوي ويضيف أن “كل قطعة تمرّ بمراحل عديدة، من التقطيع والتشكيل إلى الطرق والنقش والتلميع، وهو عمل يحتاج إلى الدقة والصبر، الزبون اليوم يبحث عن القطعة الأصيلة، وهذا ما يجعل منتجاتنا تحافظ على مكانتها رغم المنافسة”.
ولا تقتصر صناعة النحاس بقسنطينة على الأواني المنزلية، بل تشمل أيضا الثريات، والمزهريات، والإطارات المزخرفة، والساعات الجدارية، والتحف الفنية التي أصبحت تستقطب أصحاب الفنادق والمطاعم والفضاءات السياحية الراغبين في إضفاء طابع تراثي على ديكوراتها، كما كانت الأواني النحاسية ولا تزال جزءا من جهاز العروس القسنطينية، ورمزًا للأناقة والضيافة الأصيلة داخل البيوت.
ومن بين الزبائن الذين التقتهم “الشعب”، تقول جزائرية مقيمة بالخارج: “كلما عدت إلى المدينة العتيقة، أحرص على زيارة سوق باردو واقتناء قطعة نحاسية، لأنها تحمل جزءا من ذاكرة المدينة وتذكرني بجذوري، هذه القطع ليست مجرد هدايا، بل تراث نعتز به”، كما تؤكد شابة مقبلة على الزواج أن الأواني النحاسية ما تزال تحافظ على مكانتها داخل البيوت الجزائرية، قائلة “اخترت صينية نحاسية وطقمًا تقليديا للقهوة، لأنها تضفي على المنزل لمسة من الأصالة وتعكس تمسكنا بعاداتنا”.
ويواجه الحرفيون جملة من التحديات، أبرزها ارتفاع أسعار النحاس والمواد الأولية، وتزايد تكاليف الإنتاج، فضلا عن المنافسة التي تفرضها المنتجات الصناعية المستوردة، إلى جانب تراجع إقبال الشباب على تعلّم الحرف التقليدية، وهو ما يهدّد استمرارية هذه المهنة.
ويؤكد مهنيون أن حماية صناعة النحاس تستدعي تعزيز برامج التكوين، وتشجيع الشباب على الالتحاق بالورشات، إلى جانب دعم الحرفيين في اقتناء المواد الأولية، وتوفير فضاءات دائمة للتسويق، وربط سوق باردو بالمسارات السياحية التي تعرفها المدينة، حتى يكتشف الزوار عن قرب مراحل صناعة النحاس ويعيشوا تجربة فريدة مع أحد أعرق الفنون التقليدية الجزائرية.
وبين رنين المطرقة الذي يملأ أرجاء السوق، ولمعان النحاس الذي يعكس براعة أنامل الحرفيين، يواصل عمي كمال وعمي حسين، إلى جانب بقية الصنّاع، الحفاظ على حرفة تجاوزت كونها نشاطًا اقتصاديا لتصبح جزءًا من ذاكرة مدينة عريقة وهوية ثقافية متجذرة في تاريخ قسنطينة، ورغم ما تواجهه من تحديات، تبقى صناعة النحاس عنوانا للأصالة والإبداع، وشاهدا على قدرة الحرفي الجزائري على صون تراثه وتوريثه للأجيال.
ومع تزايد الاهتمام بالسياحة الثقافية والصناعات التقليدية، يراهن الحرفيون على مزيد من المبادرات الرامية إلى تثمين هذا الموروث، من خلال دعم الورشات، وتشجيع التكوين، وفتح آفاق جديدة لتسويق المنتوج محليًا ودوليا، حتى يظلّ سوق باردو منارة للحرف التقليدية ووجهة يقصدها الزوار لاكتشاف أحد أعرق الفنون التي اشتهرت بها مدينة الجسور المعلقة، ففي كل قطعة نحاسية تُصنع بأنامل الحرفيين، لا يطرق المعدن فحسب، بل يصاغ تاريخ مدينة، وتحفظ ذاكرة أجيال، ويستمر إرث قسنطينة حيا، يروي للأجيال قصة حرفة قاومت الزمن، وما تزال تتلألأ ببريق الأصالة والإتقان.






