لوحات تشكيلية تستحضر عراقة القصبة وسحر الريف القبائلي
يحتضن رواق الفنون عائشة حداد بالجزائر الوسطى معرضا للفنان بشير بن شيخ بعنوان «روح الطبيعة»، يضمّ مجموعة من اللوحات المستوحاة من القصبة العتيقة، ومناظر ريفية من منطقة القبائل، إلى جانب مشاهد تستحضر حياة الصيادين وعملهم اليومي.
وتجمع الأعمال المعروضة بين الطبيعة والحياة اليومية، من خلال لوحات تستعيد بعض المهن التقليدية والعادات المرتبطة بالريف، وأخرى تنقل تفاصيل من أحياء الجزائر القديمة. وقد أنجز الفنان أعماله بالألوان الزيتية على القماش، معتمدا الأسلوب الواقعي في رسم الأشخاص والأماكن.
تحضر القصبة في عدد من الأعمال التي تنقل ملامحها المعمارية وأجواء الحياة داخل أزقتها. وتظهر المنازل القديمة بواجهاتها المتقاربة، والمحلات التي تعرض الفواكه والخضروات واللحوم، إلى جانب النساء المرتديات الحايك الأبيض والمارة الذين يعبرون الأزقة. وهي تفاصيل تمنح هذه اللوحات صلتها بالحياة اليومية للمدينة، بعيدا عن الاكتفاء برسم مبانيها.
وفي لوحة «القصبة»، يبرز اختلاف الألوان بين الجدران التي تعكس ضوء الشمس وتلك التي تغطيها الظلال. وتتنوّع درجات الأبيض والرمادي والأوكر على واجهات المنازل، فيما تضفي السلع المعروضة أمام المحلات ألوانا أكثر قوة، خاصة الأحمر والبرتقالي والأخضر.
ويظهر هذا الاختلاف بوضوح عند تصوير محلات الخضروات والفواكه، حيث تتباين ألوان المنتجات مع هدوء الجدران القديمة. أما محل الجزارة، فتبرز فيه قطع اللحم المعلقة والأدوات المستعملة في عرضها، وسط مناطق من الظل تمنح المشهد عمقا إضافيا. ومن خلال هذه التفاصيل، يرسم بن شيخ صورة للقصبة كما تبدو في حياتها اليومية، حيث تتجاور العمارة القديمة مع الحركة التجارية التي تعرفها أزقتها.
ولا يعتمد الفنان في رسم المباني على الخطوط السوداء التي تفصل بين الأشكال، بل يبرز حدودها من خلال اختلاف الألوان بين المساحات المضاءة والأجزاء الواقعة في الظلّ. كما يولي اهتماما بملمس الجدران وتفاوت درجاتها، بما يعكس آثار الزمن على واجهات المنازل.
وتتجّه مجموعة أخرى من اللوحات إلى الريف، حيث يستعيد الفنان مشاهد من حياة الفلاحين والرعاة، من بينها «الراعي ونايه» و«القمح» و«البحث عن الأرانب البرية» و«الفلاح» و«الراعي النازل نحو الوادي»، إلى جانب لوحة «جني الزيتون».
وتصوّر هذه الأعمال أشخاصا منشغلين بأعمالهم اليومية، بين رعاية القطعان وخدمة الأرض والتنقل في المسالك الريفية. وفي لوحة «الراعي النازل نحو الوادي»، يظهر الراعي وهو يقود قطيعه من المرتفعات الصخرية باتجاه الوادي، حيث تنتشر الأشجار قرب مجرى المياه. ويختلف المشهد اللوني بين المنحدرات التي تغلب عليها درجات البني والأوكر، والجزء السفلي الذي تبرز فيه الألوان الخضراء.
كما تتغير الألوان كلما اتجه النظر نحو الجبال البعيدة، إذ تصبح أقل قوة ووضوحا مقارنة بالعناصر القريبة. ويمنح هذا التفاوت اللوحة إحساسا بالمسافة، مع إبقاء حركة الراعي وقطيعه في صلب المشهد.
أما اللوحات البحرية، فتخصص مساحة للصيادين وهم يسحبون الشباك والحبال، أو يجلسون على الصخور بقضبان الصيد، أو ينشغلون بأعمالهم داخل القوارب. وتظهر القوارب الخشبية بدرجات البني والألوان الدافئة، في مقابل الأزرق والرمادي اللذين يميزان مياه البحر، بينما تضيف ملابس الصيادين ألوانا أخرى إلى المشهد.
وتختلف معالجة العناصر القريبة عن تلك الموجودة في الخلفية؛ فالصخور والأشجار أكثر وضوحا، في حين تبدو الجبال البعيدة أقل تحديدا. ويساعد هذا التدرّج على إبراز اتساع البحر والمسافة الفاصلة بين الشاطئ والأفق.
ولا يقتصر حضور الإنسان في أعمال بشير بن شيخ على رسم الشخصيات داخل المناظر الطبيعية، بل يرتبط أساسا بما تقوم به من أعمال وحركات. ففي اللوحات الريفية، تظهر الشخصيات أثناء جني الزيتون أو رعاية القطعان، بينما ترتبط مشاهد البحر بعمل الصيادين وما يتطلّبه من جهد يومي.
وتبدو هذه العلاقة واضحة في طريقة رسم الأجساد والملابس، إذ تتخذ الشخصيات وضعيات تتناسب مع طبيعة العمل الذي تمارسه، من الانحناء إلى مدّ الأذرع وسحب الحبال. كما تنسجم ألوان الملابس التقليدية مع درجات الأرض والأشجار في المشاهد الريفية.
وفي لوحات القصبة، يختلف حضور الشخصيات بحسب المكان الذي تظهر فيه؛ فالمارة والتجار وأصحاب المحلات يضيفون إلى الأزقة حركة متواصلة، وتبرز ملابسهم أمام الجدران البيضاء والواجهات القديمة. وهكذا تتجاور في معرض «روح الطبيعة» صور الحياة الريفية ومشاهد البحر وتفاصيل المدينة، من خلال موضوعات تستمد عناصرها من البيئة الجزائرية وما تزخر به من مظاهر الحياة اليومية.



