مساءلــــة نقديــة للنـــص الأدبــــي.. آليـات الإنتــــاج وطرائـــق التلقـــي الحديثــــة
تحريـــر النقـــد الجزائــــري مـن القوالــب الورقيــة وتوطـــــــين التكنولوجيــا
احتضنت جامعة 20 أوت 1955 بسكيكدة، بقاعة المحاضرات الكبرى عبد الحميد مهري، أشغال الملتقى الوطني الأول حول «تحليل الخطاب الأدبي الرقمي: الآليات والمآلات»، بمشاركة أساتذة وباحثين من مختلف جامعات الوطن، حضوريا وعن بُعد، لمناقشة التحوّلات التي يشهدها الأدب في ظلّ التطوّر التكنولوجي، والبحث في المناهج والآليات المناسبة لتحليل النصوص الأدبية الرقمية وأشكالها المستحدثة.
ونظّم الملتقى قسم اللغة والأدب العربي بكلية الآداب واللغات، بالتنسيق مع مخبر التراث الأدبي الجزائري الهامشي والرسمي، وأشرف على افتتاح أشغاله مدير الجامعة، البروفيسور توفيق بوفندي، بحضور عميد كلية الآداب واللغات، البروفيسور جغدير عبد السلام، ورئيس قسم اللغة والأدب العربي، الأستاذ عمار مقدم، والدكتورة سهام رابح، إلى جانب عدد من المسؤولين الجامعيين والأساتذة والطلبة.
وناقش المشاركون إشكالية تحليل الخطاب الأدبي الرقمي من خلال مجموعة من المحاور التي تناولت مفهوم الأدب الرقمي ونشأته، وأشكاله وأنواعه، والخصوصيات التي تميزه عن الأدب التقليدي، إلى جانب آليات تحليل الخطاب السردي والشعري في البيئة الرقمية.
وتطرّقت المداخلات إلى الرواية التفاعلية وأشكالها المتعدّدة، باعتبارها من النماذج التي تتيح للقارئ التفاعل مع النص، فضلا عن الخطاب الإشهاري الرقمي والألعاب الرقمية، وما تطرحه هذه الأشكال من أسئلة تتعلق بطبيعة الخطاب ووسائل إنتاجه وطرق تلقيه وتحليله.
كما شمل النقاش علاقة الأدب الرقمي بالوسائط والمنصات الإلكترونية والبرامج المخصّصة لإنتاج النصوص، في ظلّ التحولات التي مسّت أساليب الكتابة والنشر والتفاعل مع العمل الأدبي. وبرز الذكاء الاصطناعي ضمن المحاور المطروحة، بالنظر إلى ما تتيحه تطبيقاته من إمكانات في إنتاج النصوص ومعالجتها، وما تثيره في المقابل من تساؤلات حول طبيعة الإبداع الأدبي وحدود تدخل التكنولوجيا في تشكيله.
وتكتسي هذه المحاور أهمية في ظلّ تنوّع الأشكال التعبيرية التي أفرزتها البيئة الرقمية، حيث لم يعد النص الأدبي مرتبطا بالكتابة وحدها، بل أصبح يستعين بوسائط متعدّدة، وقد يقوم على التفاعل بين النص والصورة والصوت والحركة. وهو ما يفرض على الباحثين تطوير أدوات التحليل النقدي بما يستجيب لخصوصية هذه النصوص، ويأخذ في الحسبان طبيعة الوسيط الذي تنتج من خلاله وطرائق تلقيها.
وضع الملتقى ضمن أهدافه الكشف عن النماذج النصية والخطابية للأدب الرقمي المحلي، والتعمق في أنواعها وأشكال حضورها وخصائصها وهويتها، إلى جانب تحديد الوسائط الرقمية الأكثر فاعلية في إنتاج النصوص الأدبية وتحليلها.
كما يهدف اللقاء إلى فتح المجال أمام الباحثين لمناقشة المقاربات النقدية التي يمكن اعتمادها في دراسة هذا النوع من الأدب، وتعزيز البحث الأكاديمي المرتبط بالعلاقة بين الإبداع والتكنولوجيا، بما يسمح بمواكبة المستجدات التي يعرفها المجال الأدبي والنقدي.
وتبرز أهمية دراسة النماذج المحلية في التعرف على تجارب الكتابة الرقمية في الجزائر، ورصد خصائصها الفنية والتعبيرية، وفهم مدى تفاعلها مع الوسائط الإلكترونية المتاحة. كما يتيح الاهتمام بهذا المجال توسيع موضوعات البحث الجامعي، من خلال إدراج النصوص الرقمية ضمن الدراسات الأدبية والنقدية، وعدم الاقتصار على الأشكال التقليدية للإبداع.
وفي هذا السياق، شكلت علاقة الأدب الرقمي بالذكاء الاصطناعي والبرامج الإلكترونية مجالا للنقاش حول إمكانات توظيف التقنيات الحديثة في البحث الأدبي، سواء في إنتاج النصوص أو تحليلها، مع ضرورة مراعاة الخصائص الفنية والسياقات التي تحكم العمل الإبداعي.
واختتمت أشغال الملتقى بجملة من التوصيات التي ترمي إلى تعزيز البحث العلمي في الأدب الرقمي وتوسيع الاهتمام به داخل الجامعة، حيث دعا المشاركون إلى الاهتمام بتأثير التطور التكنولوجي والحضاري على النص الأدبي التقليدي، ودراسة كيفية استجابة الخطابات الأدبية للتحوّلات الرقمية وما تفرزه من أشكال تعبيرية جديدة.
كما أوصوا بتشجيع الطلبة والباحثين على تناول الأدب الرقمي ضمن مذكرات التخرّج والبحوث الأكاديمية، بما يساهم في توسيع مجالات الدراسة النقدية وفتح آفاق جديدة أمام البحث الجامعي، إلى جانب تثمين النقد الرقمي واستثمار الإمكانات التكنولوجية الحديثة لتفعيل مقاربات بحثية تتناسب مع طبيعة النصوص الرقمية وخصوصياتها.
وشدّدت التوصيات أيضا على أهمية العمل من أجل إنشاء مخبر بحث متخصص يُعنى بالتفاعل الرقمي والأدب الرقمي، بما يسمح بتطوير الدراسات في هذا المجال، وتوفير إطار علمي لتبادل الخبرات بين الباحثين ومتابعة المستجدات المرتبطة بالإبداع الرقمي.



