مشروع القانون يواكب القطاعات الواعدة غير الطاقوية مثل المناجم
إجراءات أيسر أمام التجارة الخارجية لرفع الصادرات خارج المحروقات
أفاد الباحث في الاقتصاد بالمركز الجامعي المقاوم الشيخ آمود بن مختار في ولاية إيليزي، الدكتور لعبيدي سامي، إنّ مشروع قانون المالية 2027، يجمع بين استثمار عمومي مكثف في البنية التحتية، وحوافز موجّهة للتمويل والابتكار، وتبسيط إجراءات الاستثمار والتجارة الخارجية، وتخفيف كلفة المدخلات المحلية، مع توسيع تدريجي مدروس للوعاء الجبائي الوطني.
أوضح الدكتور لعبيدي سامي، في تصريح لـ”الشعب”، أنّ مشروع قانون المالية لسنة 2027، المتضمّن 236 مادة، يقدّم تصورا للنمو يقوم على تنويع مصادره، وجداوله الاقتصادية الكلية تقدّر الناتج الداخلي الخام بنحو 53,122 مليار دينار بنمو قدره 4.2 في المائة، وتتوقّع أن يبلغ نمو الناتج خارج المحروقات 5 في المائة، مقابل انكماش بنحو 1 في المائة للقيمة المضافة في قطاع المحروقات، في حين تقود الصناعة هذا المسار بنمو 6 في المائة، يليها البناء بـ5.2 في المائة، ثم الخدمات بـ5 في المائة، والفلاحة بـ4.7 في المائة، أي أنّ مركز الثقل ينتقل تدريجيا إلى القطاعات المنتجة غير الطاقوية.
وتقوم الموازنة، بحسب لعبيدي، على إيرادات قدرها 9,251.14 مليار دينار (المادة 2)، منها 2,652.3 مليار دينار جباية بترولية، أي نحو 29 في المائة، أما الباقي وقدره 6,598.8 مليار دينار أو نحو 71 في المائة، فمصدره خارج الجباية البترولية. وتبلغ اعتمادات الدفع 17,882.65 مليار دينار (المادة 3)، حيث تظهر التقديرات الثلاثية ارتفاع الإيرادات إلى 10,010.6 مليار دينار سنة 2029، وتراجع نفقات الميزانية من 33.7 إلى 29.7 في المائة من الناتج الداخلي الخام بين 2027 و2029، وهو مسار يوحي بترشيد تدريجي للإنفاق دون التخلي عن الاستثمار.
وتتجسّد الأولويات في توزيع الاعتمادات، حيث خصّص لقطاع الأشغال العمومية والمنشآت القاعدية 980 مليار دينار من اعتمادات الدفع، منها 459.7 مليار للسّكك الحديدية والنقل الموجّه و415.5 مليار للطرق والطرق السيارة، وخصّص للرّي 697.4 مليار دينار، وللسكن والعمران 896 مليار دينار، وللفلاحة والتنمية الريفية والصيد البحري 883.5 مليار، ولقطاع اقتصاد المعرفة والمؤسّسات الناشئة والمؤسّسات المصغّرة نحو 17.6 مليار. ومن شأن هذه الاستثمارات الكبرى رفع الإنتاجية وخفض كلفة النقل والمياه على المؤسّسات، وتضاف إليها تغطية الخزينة الكاملة لفوائد القروض البنكية العمومية لبرنامج “عدل 3” بـ 350 ألف مسكن بصيغة البيع بالإيجار (المادة 207)، بما يضمن طلبا مستمرا على مواد البناء وخدماته، على أن تتيح المادة 214 للولاة، بصفة استثنائية، إنجاز عمليات الاستثمار العمومي ضمن أي برنامج خاص يقرّره مجلس الوزراء، تسريعا للأشغال، وفقا له.
ويُولي المشروع -مثلما أضاف لعبيدي- أهمية خاصة لمناخ الاستثمار وبيئة الأعمال، إذ تكرّس المادة 219 منه الشباك الوحيد الوطني للاستثمار كهيئة قائمة بذاتها إلى جانب المجلس الوطني للاستثمار والوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار، وتنقل المواد 15 و41 و55 و98 إلى هذا الشباك التصريح بالوجود وطلبات رقم التعريف الجبائي وشهادات الإعفاء من الرسم على القيمة المضافة، ودفع حق الطابع عند فتح السجل التجاري، ليتعامل المستثمر مع مُحاور واحد. وفي ملف العقار الاقتصادي، تحدّد المادة 203 الإتاوة الإيجارية السنوية بجزء من ثلاثة وثلاثين من القيمة التجارية، مع تخفيضات تبلغ 30 في المائة للمشاريع المهيكلة و20 في المائة لنظام المناطق و10 في المائة لنظام القطاعات، وتسهّل المادتان 194 و195 تحويل الامتياز إلى تنازل، على أن يُعدّ العقد خلال شهر واحد، وتسمح المادة 200 بنقل الرهن العقاري إلى المنشآت المنجزة بموافقة البنك الدائن، حفاظا على حقوقه واستمرارا للمشروع.
وبخصوص التمويل، يعتمد المشروع على تنويع أدواته، فالمادة 129 تعفي لمدة عشر سنوات ابتداء من الفاتح جانفي 2027، عوائد وفوائض قيمة التنازل عن سندات هيئات رأس المال المخاطر والصناديق المتخصّصة، مع الإعفاء من حقوق التسجيل، وتمدّد المادة 136 إعفاء المؤسّسات الحاملة لعلامة “حاضنة أعمال” من سنتين إلى خمس سنوات، وتعفي معداتها من الرسم على القيمة المضافة وتخضعها لحقوق جمركية بمعدل 5 في المائة، وتمنح المادة 131 الشركات المدرجة في البورصة تخفيضا من الضريبة على أرباح الشركات يساوي نسبة فتح رأس مالها لمدة خمس سنوات. أمّا المادة 130 فتعفي صناديق الاستثمار المنشأة بموجب اتفاقيات دولية من الضريبة على أرباح الشركات لمدة عشر سنوات من بداية النشاط، في حين يربط الإجراء الوارد في المادة 139 بين الشركات الكبرى والمؤسّسات الناشئة، إذ تحتسب نفقات الابتكار المفتوح مع المؤسّسات المتسارعة والناشئة والحاضنات ضمن الحد الأدنى المخصّص للبحث والتطوير، وفي الصيرفة تمد المادة 34 إعفاء البنوك من رسم نقل الملكية عند اقتناء السكنات بصيغ المرابحة والإجارة المنتهية بالتمليك، لتشمل كذلك الاستصناع، تحقيقا للعدالة الجبائية بين الصيرفة الإسلامية والتقليدية، ويكمل ذلك تحديث الإطار المؤسّساتي بإنشاء سلطة مستقلة للضبط والإشراف على التأمينات (المادة 223)، بحسب قوله.
وتابع: “يستهدف مشروع قانون المالية 2027 تخفيض كلفة الإنتاج المحلي، لتخضع مستلزمات الزراعة المحمية وأنابيب الري بالتنقيط لمعدل الرسم المخفض 9 في المائة بدل 19 في المائة (المادة 49)، مع إعفاء المواد الأولية الداخلة في صناعة أعلاف تربية المائيات (المادة 172)، كما تعفى من الرسم على القيمة المضافة ومن الحقوق الجمركية، إلا بمعدل 5 في المائة، المدخلات الموجّهة لصناعة المركّزات المعدنية والفيتامينية محليا (المادة 173). وتتيح المادة 227 للمنتجين في الصناعات الميكانيكية والإلكترونية والكهربائية الحصول على المكونات التي يتعذّر تصنيعها محليا بشروط جبائية ملائمة. وتمد المواد 174 إلى 176 تدابير تموين السوق بالمواد الواسعة الاستهلاك إلى غاية 2029، في حين تمنح المادة 198 المستغلّين الفلاحيّين الراغبين في تسوية ديونهم على الأراضي التابعة للدولة تخفيضا قدره 30 في المائة إلى غاية نهاية 2027”.
وفي مجال التجارة الخارجية، أبرز لعبيدي أنّ المشروع يفتح الباب أمام إجراءات أيسر، ومنه المادة 154 التي تتيح للمصدّر المعتمد التصريح بنفسه بالمنشأ التفضيلي لبضائعه دون المرور بشهادات المنشأ، بما يخدم الاستفادة من الاتفاقيات التفضيلية ومنطقة التبادل الحرّ القارية، وتعتمد المواد 155 إلى 158 التسيير بالمخاطر والتصريح الإلكتروني المسبق بالحمولة، وتبسّط نقل البضائع نحو المخازن تحت الرقابة الجمركية تخفيفا لاكتظاظ بالموانئ، كما تجيز المادة 161 تقسيط مبالغ المصالحة الجمركية على ستة أشهر، وتمنح المادة 162 تخفيضا بـ 50 في المائة من الغرامة لمن يسدّد خلال خمسة عشر يوما من معاينة المخالفة.
واستنادا إلى محدثنا، يُواكب مشروع قانون المالية 2027 القطاعات الواعدة، إذ تضع المواد 99 إلى 125 إطارا جبائيا متكاملا يتماشى مع القانون المنظم للأنشطة المنجمية، يشمل حق إعداد الوثائق والرسم المساحي وإتاوة منجمية بنسب بين 1.5 و6 في المائة بحسب طبيعة المادة (المادة 109)، وتوزّع 80 في المائة منها لميزانية الدولة و20 في المائة للجماعات المحلية (المادة 115). وفي الطاقة، تَرفع المادة 132 سقف خصم نفقات الهيدروجين الأخضر والطاقات المتجدّدة وإعادة التشجير من 5 إلى 10 في المائة من النتيجة الخاضعة للضريبة. وبقطاع السياحة، تستحدث المادة 38 تعريفة خاصة بتأشيرة التسوية للسياح الأجانب الذين يقصدون الجنوب، متدرّجة حسب المدة (10,000 و15,000 و20,000 دينار)، بهدف تعزيز جاذبية الوجهة.
وأردف الباحث: “يسعى مشروع قانون المالية 2027 على صعيد الموارد، إلى توسيع الوعاء دون المساس بالمتعاملين الملتزمين، فالمادة 46 تُخضع مبيعات منصّات التجارة الإلكترونية المحلية والأجنبية للرسم على القيمة المضافة، وتضع التجارة الرقمية والتقليدية على قدم المساواة، وتُحمِّل المادة 58 متعاملي المنصّات غير المقيمين مسؤولية تحصيله، في حين تُخفِّض المادة 25 عتبة الخضوع للضريبة على الثروة من 100 إلى 80 مليون دينار بسلّم تصاعدي من 0.2 إلى 1 في المائة، علما أنّ حصيلتها السنوية تراوحت بين 20 و25 مليون دينار بين 2022 و2025. وتتيح المادة 149 التسوية الطوعية لرؤوس الأموال خارج النظام الرسمي مقابل ضريبة وحيدة بـ 12 في المائة دون عقوبات إلى غاية 31 ديسمبر 2027، بما يعيدها إلى دورة التمويل، وتقترن أدوات الرقابة الرقمية بضمانات، إذ تقيّد المادة 79 الجمع بالمعلومات المتاحة للعموم دون تجاوز إعدادات الخصوصية، وتحدّد المادة 88 مدة حفظها بست سنوات كحد أقصى”.

