الحــــوار الاقتصـــادي يترجـــم الرّؤى الكــــبرى في مشاريــع ونتائـــــج ملموســــة
جدّد رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون التأكيد على أن رجال الأعمال والمتعاملين الاقتصاديين «شركاء بأتم معنى الكلمة»، مشدّدا على أنّ «مستقبل البلاد يبنى بسواعد أبنائها جميعا، كل من موقعه»، في تأكيد على أهمية الشراكة بين الدولة والقطاع الاقتصادي في مسار التنمية.
في هذا السياق، أكّد الخبير الاقتصادي، عبد القادر بريش أن اللقاء الذي ترأّسه رئيس الجمهورية مع المتعاملين الاقتصاديين، خطوة هامة نحو إرساء المقاربة التشاركية في صنع القرار، تقوم على تنسيق الرؤى والأولويات وتحويل الانشغالات إلى إجراءات عملية ونتائج ملموسة، من خلال دعم الاستثمار المنتج، وتعزيز القاعدة الإنتاجية، وخلق الثروة ومناصب الشغل، وتنويع الاقتصاد الوطني.
واعتبر الخبير – في تصريح لـ «الشعب» – أن إشراك المتعاملين الاقتصاديين في تحديد الأولويات التنموية، ومتابعة تنفيذ الخيارات الاقتصادية من شأنه تعزيز التنويع الاقتصادي ودعم الإنتاج الوطني ورفع تنافسية المؤسسات الجزائرية، وأوضح أن الحوار الاقتصادي الذي يكرسه رئيس الجمهورية، السيد عبد المجيد تبون، مع المتعاملين الاقتصاديين يشكّل أحد المسارات المهمة لتعزيز التشاور بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، وتوحيد الرؤى بشأن الأولويات التنموية، بما يسمح بتطوير اقتصاد وطني متنوع ومنتج وتنافسي.
وأشار بريش إلى أنّ اللقاء الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية، الأربعاء المنصرم، مع المتعاملين الاقتصاديين، يعكس أهمية مواصلة التشاور بشأن التحديات التي تواجه الاقتصاد الوطني، والبحث عن السبل الكفيلة بتهيئة الظروف الملائمة للاستثمار والإنتاج وخلق الثروة، مع تعزيز مساهمة القطاع الخاص في مسار التنمية الاقتصادية، وأضاف أن الغاية من الحوار الاقتصادي لا تقتصر على الاستماع إلى انشغالات المتعاملين الاقتصاديين أو عرض التدابير الحكومية، بل تتمثل أساسا في بناء رؤية مشتركة بشأن الخيارات الاقتصادية الكبرى، وتحديد الأولويات التي تستدعي تعبئة جهود الدولة والفاعلين الاقتصاديين، إلى جانب تعزيز التنسيق بين السياسات العمومية والقدرات الفعلية للاقتصاد الوطني.
توحيد الرّؤية الاقتصادية
وسجّل بريش أن الحوار مع المتعاملين الاقتصاديين ليس وليد الظرف الراهن، بل يندرج ضمن مسار متواصل من التشاور بشأن الخيارات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد، وفي هذا الإطار، شكّل إعداد مخطط الإنعاش الاقتصادي والاجتماعي عام 2020، وتنظيم الندوة الوطنية للإنعاش الاقتصادي والاجتماعي في أغسطس من العام نفسه، محطة مهمة لبلورة التصورات المتعلقة باستعادة النشاط الاقتصادي وتحسين مناخ الأعمال وتعبئة القدرات الإنتاجية الوطنية، كما مثلت الجلسات الوطنية حول اقتصاد المعرفة، التي أشرف عليها رئيس الجمهورية في 29 مارس 2021، مناسبة لبحث التحولات المطلوبة للانتقال نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار والتكنولوجيا، بما يسهم في رفع الإنتاجية وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وأضاف: «تواصل هذا المسار من خلال استقبال رئيس الجمهورية، في سبتمبر 2023، المكتب الموسّع لمجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، ثم اللقاء الذي جمعه بالمتعاملين الاقتصاديين في 16 نوفمبر من العام نفسه، عقب أيام المقاولاتية، والذي أتاح طرح انشغالات الفاعلين الاقتصاديين والتحديات المرتبطة بالاستثمار والإنتاج».
وفي مارس 2024 – بقول بريش – استقبل رئيس الجمهورية وفدا من مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، في سياق مواصلة التشاور بشأن مناخ الاستثمار والعراقيل التي تواجه المبادرة الاقتصادية. وشهد الشهر نفسه تنصيب اللجنة الوطنية العليا للطعون المتعلقة بالاستثمار، في خطوة تندرج ضمن مسار تعزيز الضمانات المؤسسية للمستثمرين وتحسين معالجة الطعون المرتبطة بالاستثمار.
كما شكّل اللقاء السنوي الذي أشرف عليه رئيس الجمهورية في 13 أبريل 2025 مع المتعاملين الاقتصاديين، بتنظيم من مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري، محطة أخرى لتأكيد أهمية تعبئة المبادرة الاقتصادية وتوسيع مساهمة القطاع الخاص في تحقيق النمو وخلق الثروة».
وتواصلت اللقاءات في أكتوبر 2025 – يقول محدثنا – من خلال اجتماع رئيس الجمهورية مع متعاملين اقتصاديين في سياق الاتفاقيات التجارية والاستثمارية المرتبطة بالمعرض الإفريقي للتجارة البينية الذي احتضنته الجزائر في سبتمبر من العام نفسه، قبل أن يأتي لقاء 14 أكتوبر 2026 ليؤكد استمرار هذا المسار التشاوري.
ركيزة التّنويع والتنمية الصّناعية
وفيما يتعلق بالتنويع الاقتصادي، أوضح الخبير بريش أن الرهان الحقيقي لا يكمن في إعلان الأهداف أو إقرار الحوافز وحدها، بل في قدرة الفاعلين الاقتصاديين على تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى نشاط إنتاجي مستدام، وقيمة مضافة محلية وفرص عمل وصادرات خارج المحروقات، وأضاف أن التنويع الاقتصادي لا يتحقّق بمجرد توسيع قائمة الأنشطة، وإنما يتطلب بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تلبية الطلب المحلي، وتقليص التبعية للاستيراد كلما كان ذلك ممكنا ومجديا اقتصاديا، فضلا عن تعزيز اندماج الاقتصاد الوطني في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
المقاربة التّشاركية.. آليات للمتابعة والتّنفيذ
وبخصوص شروط تجسيد المقاربة التشاركية في صنع القرار الاقتصادي، أوضح بريش أنها تقوم على وحدة الرؤية والأهداف بين الدولة والفاعلين الاقتصاديين، وعلى التكامل بين التوجهات الاستراتيجية للدولة والمبادرة الاقتصادية للقطاع الخاص.
وأكّد محدّثنا أن التنمية الاقتصادية مسؤولية مشتركة تتطلب تنسيق السياسات العمومية مع القدرات الإنتاجية والاستثمارية، وتعبئة الموارد والإمكانات المتاحة لتحقيق الأهداف الوطنية في مجالات التنويع الاقتصادي والتنمية الصناعية، وخلق الثروة وتوفير مناصب الشغل وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني.
من هذا المنطلق – يواصل بريش – يشكل الحوار المنتظم آلية لتوحيد الأولويات وتنسيق الجهود، وتحويل الرؤية المشتركة إلى برامج عملية قابلة للتنفيذ والتقييم.
النّشاط الإنتاجي أساس التّنويع الاقتصادي
وفي سياق متصل، أكّد الخبير بريش أن التحول نحو اقتصاد متنوع ومستدام يقتضي جعل النشاط الإنتاجي محور تقييم السياسات الاقتصادية، مشيرا إلى أن المؤشرات الكلية، على غرار معدل النمو وحجم الاستثمار، تكتسب دلالتها الحقيقية عندما تنعكس على زيادة الإنتاج المحلي وتحسين الإنتاجية وتوسيع فرص العمل ورفع القدرة التصديرية، وتعزيز مساهمة القطاعات خارج المحروقات في خلق الثروة، وأوضح أن الحوار الاقتصادي يتجه نحو تحديد الأولويات التي تسمح بتعظيم الأثر التنموي للاستثمارات، وتطوير التكامل بين الفاعلين الاقتصاديين، وتشجيع المناولة الصناعية، وتوسيع قاعدة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتحسين إدماجها في سلاسل الإنتاج الوطنية.
وشدّد بريش على أن نجاح هذه المقاربة يضمنه التكامل بين دور الدولة في التوجيه والتنظيم والرقابة، ودور الفاعلين الاقتصاديين في الاستثمار والإنتاج والابتكار وخلق الثروة، وخلص إلى أن الحوار الذي يكرسه رئيس الجمهورية مع المتعاملين الاقتصاديين يمثل فرصة لتعزيز التشاور وتوحيد الرؤية بشأن الخيارات التنموية، وإشراك الفاعلين الاقتصاديين في بناء اقتصاد وطني أكثر تنوعا وإنتاجية وتنافسية.
