تمسـك الشعـب الصحـراوي بتقريـر المصـير قناعـة راسخـة لا تزعزعهـا الضغـوط
المصادقـة رد قاطع على مساعـي الالتفـاف علـى مرجعيـة تصفيـة الاستعمـار
صادقت الجمعية العامة للأمم المتحدة، الخميس، على قرار اللجنة الرابعة المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار بشأن قضية الصحراء الغربية، في خطوة تجسد مواصلة الأمم المتحدة التمسك بعقيدتها الراسخة في مجال تصفية الاستعمار، القائمة على مبادئ ومقاصد ميثاق الأمم المتحدة، ولا سيما القرار 1514 (د-15) المتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، الذي يكرّس حق الشعوب في تقرير مصيرها، ويؤكد القرار، من خلال إحالاته إلى القرارات الأممية ذات الصلة، مواصلة تكريس الإطار القانوني والسياسي الذي تتعامل من خلاله الأمم المتحدة مع قضية الصحراء الغربية باعتبارها مسألة تصفية استعمار لم تُحسم بعد، بما يستوجب تمكين الشعب الصحراوي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير المصير، وفقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، بما فيها قرارات مجلس الأمن.
أعادت مصادقة اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة، بأغلبية ساحقة، على مشروع قرار بشأن الصحراء الغربية، التأكيد على استمرار حضور القضية ضمن أجندة تصفية الاستعمار الأممية، وعلى تمسك الهيئة الأممية بحق الشعب الصحراوي غير القابل للتصرف في تقرير مصيره.. بأغلبية بلغت 152 صوتا مؤيدا مقابل صوتين معارضين وامتناع سبع دول، جاءت نتيجة التصويت لتضع المسألة مجددا في إطارها القانوني الأممي، بعيدا عن محاولات إعادة تعريف طبيعتها أو اختزالها في مجرد نزاع إقليمي.
وتكتسب هذه المصادقة أهميتها من كونها صدرت عن اللجنة الرابعة المعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، أي الجهة التي تتناول قضايا الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي وتصفية الاستعمار، ومن ثم، فإن الدلالة الأساسية للتصويت لا تكمن في رقمه الكبير فحسب، وإنما في استمرار إدراج الصحراء الغربية ضمن هذا الإطار الأممي، بما يجعل مسألة تقرير المصير حاضرة في صلب المرجعية التي تتعامل بها الأمم المتحدة مع القضية.
152 صوتـــا.. المجتمـــع الدولي يفصــــل..
يكتسي تصويت 152 دولة لصالح مشروع القرار أهمية سياسية واضحة، بالنظر إلى اتساع قاعدة التأييد لمبدأ تقرير المصير؛ فالقرار يعيد التأكيد على حق الشعب الصحراوي في اختيار مستقبله السياسي وفقا لمبادئ ميثاق الأمم المتحدة وقرارات الجمعية العامة ذات الصلة، وفي مقدمتها القرار 1514 المتعلق بمنح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة.
وتبرز أهمية الإشارة إلى القرار 1514 في كونه يشكل أحد النصوص المرجعية الأساسية في منظومة تصفية الاستعمار، وبالتالي، فإن إبقاء قضية الصحراء الغربية مرتبطة بهذه المرجعية يعني أن جوهر المسألة، في التصور الذي تعتمده اللجنة الرابعة، يرتبط بحق شعب في تقرير مصيره، وليس بترتيبات سياسية أو تفاوضية حول إدارة إقليم متنازع عليه.
ومن هذه الزاوية، فإن التصويت يحمل دلالة تتجاوز الموقف من أطراف النزاع، ليعيد التذكير بمبدأ عام في القانون الدولي يتعلق بحق الشعوب في تقرير مستقبلها السياسي، وهذا ما يجعل محاولة تجاوز هذه المرجعية أو استبدالها بإطار مختلف محل جدل سياسي وقانوني داخل الأمم المتحدة، كما أن الأغلبية الكبيرة التي حصل عليها مشروع القرار تعكس – في المقابل – استمرار قدرة الموقف المؤيد لتقرير المصير على حشد دعم واسع داخل الجمعية العامة.
المرجعية الأممية تجهض محاولات تحوير القضية
من جهته، سجل ممثل جبهة البوليساريو بالأمم المتحدة والمنسق مع بعثة «المينورسو»، سيدي محمد عمار، أن تجديد اللجنة الرابعة لتأكيد الإطار القانوني للصحراء الغربية باعتبارها قضية تصفية استعمار يمثل ردا على ما وصفه بمحاولات تحوير طبيعة القضية القانونية.
ويضع هذا الموقف النقاش في مواجهة بين مقاربتين: مقاربة تستند إلى مرجعية تصفية الاستعمار وحق تقرير المصير، وأخرى تسعى إلى الدفع نحو تصور سياسي مختلف لطبيعة الحل، غير أن التصويت الأخير يوضح أن المرجعية الأممية التقليدية لم تختف من المشهد، وأن قضية الصحراء الغربية ما تزال مدرجة ضمن القضايا التي تعالجها الأمم المتحدة في سياق تصفية الاستعمار، وهذا المعطى يفرض قراءة أكثر حذرا للرهانات السياسية المرتبطة بمحاولات تغيير مسار التسوية أو فرض تصور واحد للحل، فالقرار لا يحسم وحده مستقبل النزاع، ولا يشكل في حد ذاته تسوية سياسية، لكنه يعيد تثبيت أحد العناصر المركزية في المقاربة الأممية، وهو حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، وبين تثبيت المرجعية القانونية وتحقيق التسوية على الأرض مسافة سياسية ودبلوماسية ما تزال قائمة.
التصويــــــت المغربـــــــي.. مفارقـــــة
ولقد تضمنت نتائج التصويت مفارقة سياسية لافتة، إذ صوت المغرب لصالح مشروع القرار، وفق المعطيات الواردة، بعد أن كان وفده يعتزم التغيب عن التصويت.
وتطرح هذه الخطوة تساؤلات حول هامش المناورة الذي تتحرك ضمنه الدبلوماسية المغربية داخل المؤسسات الأممية، خصوصا عندما يتعلق الأمر بنص يعيد التأكيد على حق تقرير المصير وعلى إدراج الصحراء الغربية ضمن أجندة تصفية الاستعمار.
غير أن قراءة التصويت المغربي تحتاج إلى قدر من الحذر، إذ إن التصويت الإيجابي على قرار أممي لا يعني بالضرورة تطابق تفسير الدولة المصوتة مع كل الدلالات السياسية التي يمنحها النص، ومن ثم، فإن الأهم ليس مجرد تسجيل صوت المغرب ضمن الأصوات المؤيدة، وإنما متابعة كيفية تعاطيه لاحقا مع المرجعية التي أكدها القرار، وموقع هذه المرجعية من مقترحاته السياسية ومفاوضاته بشأن مستقبل الصحراء الغربية.
وهنا تحديدا تكمن القيمة التحليلية للحدث: فالأرقام وحدها لا تنهي الخلاف، لكنها تضع الأطراف أمام نص أممي واضح المعالم، وتكشف – في الوقت ذاته – حدود القدرة على تجاوز المرجعية الأممية عبر مواقف منفردة أو تحالفات ظرفية.
الفجـــوة بـــين النــــــص والواقــــع
لا تتوقف أهمية القرار عند قاعة التصويت في نيويورك، وإنما تكتسب بعدا أكثر حساسية عند ربطها بالوضع الذي يعيشه الصحراويون في الأراضي المحتلة، وبالأخص، المعتقلون السياسيون، ففي اليوم نفسه الذي أعيد فيه التأكيد الأممي على حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، كانت عائلات معتقلي مجموعة «أكديم إزيك» تحذر من التداعيات الصحية الخطيرة لاستمرار إضراب عدد من أبنائها عن الطعام منذ 23 سبتمبر، وتتحدث عن قيود على الزيارات والاتصالات، وعن أوضاع صحية متدهورة لبعض المعتقلين.وتعرضت عائلات المعتقلين، وفقا للمعطيات المقدمة، للتفريق خلال وقفة نظمتها بالرباط، بينما طالت الاعتقالات عددا من النشطاء الصحراويين، كما أثارت العائلات حالات صحية وصفتها بـ»الخطيرة»، بينها وضع المعتقل أحمد السباعي الذي قالت أسرته إنه يعاني من أمراض في القلب والكلى ونقل إلى مصحة دون إبلاغها، وحالة البشير بوتنكيزة الذي تحدثت عائلته عن تدهور قدرته على الحركة.وتطرح هذه الوقائع – بصرف النظر عن الخلافات السياسية المحيطة بالنزاع – مسألة إنسانية لا يمكن تجاهلها: كيف يمكن حماية حياة المضربين عن الطعام وضمان حصولهم على رعاية طبية مستقلة، وكيف يمكن تمكين عائلات المعتقلين من معرفة أوضاع أبنائها وممارسة حقها في التواصل والزيارة؟
إن استمرار الإضراب عن الطعام يحول الملف إلى قضية ذات حساسية إنسانية متزايدة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بمعتقلين يعانون من أمراض مزمنة، وهنا تصبح الحاجة إلى تدخل الجهات الحقوقية والإنسانية الدولية أكثر إلحاحا، ليس لحسم النزاع السياسي، وإنما لضمان احترام الحقوق الأساسية للمعتقلين ومنع تحول الإضراب إلى مأساة إنسانية.
بــــين الدبلوماسيــــة والواقــــع الميــــداني
تظهر المفارقة الأوسع في أن التأكيد المتكرر في المحافل الدولية على حق تقرير المصير لا يوازيه، حتى الآن، مسار حاسم لترجمة هذا المبدأ إلى واقع سياسي، فمن جهة، تواصل الأمم المتحدة التعامل مع الصحراء الغربية باعتبارها إقليما غير متمتع بالحكم الذاتي، وتعيد التأكيد على حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره، ومن جهة أخرى، لا تزال التسوية السياسية تراوح مكانها، فيما يستمر النزاع وتبقى القضية حاضرة في الحسابات الإقليمية والدولية.
هذا التباعد بين المرجعية القانونية والمسار السياسي، هو أحد أبرز أسباب استمرار النزاع. فوجود قرار أممي يؤكد مبدأ تقرير المصير، لا يعني أن ممارسة هذا الحق أصبحت وشيكة، كما أن كثرة القرارات لا تكفي وحدها لإنهاء حالة سياسية ممتدة منذ عقود.
لذلك، فإن التحدي الحقيقي يكمن في كيفية تحويل المبادئ التي تتكرر في قرارات الأمم المتحدة إلى مسار سياسي قابل للتنفيذ، يضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير مصيره وفقا للمرجعيات الأممية، ويضع حدا لنزاع طال أمده وأنتج تداعيات إنسانية وسياسية وأمنية واسعة.
المخيمات.. تمسك بالحق ورهان على الشرعية الدولية
في مخيمات اللاجئين الصحراويين، أكد الرئيس إبراهيم غالي تمسك الشعب الصحراوي بحق تقرير المصير والاستقلال، مشددا على أن هذا الحق يمثل قناعة راسخة لدى الصحراويين، وأن الضغوط والممارسات التي تتحدث عنها القيادة الصحراوية لن تحول دون مواصلة النضال.
ويعكس هذا الموقف استمرار الرهان الصحراوي على الجمع بين العمل السياسي والدبلوماسي والتمسك بالمرجعية الأممية، كما أن استقبال وفد رفيع المستوى من لجنة أجهزة الأمن والاستخبارات الإفريقية «سيسا» في مخيمات اللاجئين يضفي على الحدث بعدا إفريقيا، خصوصا أن الوفد اطلع على نشاط جمعيات صحراوية تعمل في مجالات حقوق الإنسان ومكافحة الألغام والدفاع عن حق تقرير المصير.ولا يخلو هذا البعد من أهمية، لأن قضية الصحراء الغربية ليست مجرد ملف داخل المؤسسات الأممية، وإنما قضية ذات امتدادات إفريقية مباشرة، بحكم موقع الإقليم وتداعيات النزاع على المنطقة، وبحكم عضوية الجمهورية الصحراوية في الاتحاد الإفريقي، كما أن تنظيم أمسية للتعريف بالتراث الصحراوي والفنون التقليدية خلال زيارة الوفد الإفريقي يبرز جانبا آخر من الصراع، يتعلق بالهوية والذاكرة والحفاظ على الخصوصية الثقافية، وهي عناصر غالبا ما تتداخل مع النزاعات الطويلة حول الأرض والسيادة وتقرير المصير.
قـــرار جديــــد.. وســـؤال قــديم
لا ينبغي النظر إلى مصادقة اللجنة الرابعة على أنها نهاية لمسار طويل، وإنما باعتبارها حلقة جديدة في مسار ما تزال عناصره الأساسية قائمة؛ فالقرار يؤكد المرجعية، لكنه لا يوفر بمفرده آلية تنفيذية؛ ويجدد المبدأ، لكنه لا ينهي الخلاف السياسي حول كيفية ممارسته.
ومع ذلك، فإن أهمية التصويت تكمن في أنه يمنع اختزال القضية في رواية سياسية واحدة، ويؤكد أن مسألة تقرير المصير لا تزال جزءا من الخطاب الأممي المتصل بالصحراء الغربية، أما قوة هذه المرجعية على المستوى العملي، فستظل مرتبطة بقدرة الأمم المتحدة على دفع الأطراف نحو مسار سياسي يحظى بالمصداقية، ويضمن للشعب الصحراوي ممارسة حقه في تقرير مصيره.
وفي الجانب الإنساني، يفرض استمرار إضراب المعتقلين الصحراويين عن الطعام أولوية عاجلة تتعلق بحماية حياتهم وضمان حقوقهم الأساسية، بعيدا عن الحسابات السياسية، فمهما اختلفت المواقف من النزاع، لا ينبغي أن تتحول معاناة المعتقلين إلى هامش في معركة الدبلوماسية.
وبين قرار أممي جديد يؤكد حق تقرير المصير، وتصريحات القيادة الصحراوية المتمسكة بالاستقلال، وتحذيرات عائلات المعتقلين من تدهور أوضاع أبنائها، تبدو القضية أمام مفارقة واضحة: المرجعية الدولية ما تزال حاضرة، لكن ترجمتها السياسية والإنسانية على الأرض تظل مؤجلة.
وهنا تكمن العقدة الحقيقية للصحراء الغربية: ليست في غياب المبدأ، وإنما في المسافة الفاصلة بين الاعتراف الدولي به، وبين تمكين أصحابه من ممارسته. وكلما طال أمد هذه المسافة، بقيت القضية مفتوحة على مزيد من التوتر السياسي والإنساني، وظل سؤال تقرير المصير قائما في قلب النزاع، مهما تغيرت موازين القوى أو تبدلت التحالفات.
إن اعتماد القرار الأممي، يجدد التأكيد على أن قضية الصحراء الغربية تظل قضية تصفية استعمار مدرجة على جدول أعمال الأمم المتحدة، وأن تسويتها العادلة والدائمة تقتضي احترام حق الشعب الصحراوي في تقرير المصير، بعيدا عن محاولات الالتفاف على الشرعية الدولية أو فرض حلول لا تستند إلى إرادته الحرة.



