اختُتم برواق «محمد راسم»، نهاية الأسبوع، معرض الفنان التشكيلي هاني بن ساسي، الموسوم بـ«في ذاكرة المكان.. رحلة بصرية بين التراث والطبيعة”، وجمع 96 لوحة تشكيلية في تجربة فنّية توظّف اللون والضوء والظل لاستحضار الأمكنة وتفاصيلها، وإبراز قيمتها في الذاكرة الجماعية والهوية الوطنية.
وتوزّعت الأعمال المعروضة بين مشاهد من الصحراء والواحات والبحر، وأخرى تستحضر أزقة القصبة ومعالمها التاريخية، فضلا عن المناظر الطبيعية والزهور. وتكشف هذه الأعمال عن ارتباط الفنان بالأسلوب الانطباعي، الذي يتيح له التعبير عن إحساسه بالمكان، ورصد التحوّلات اللونية التي تصنعها الإضاءة الطبيعية في مختلف الأوقات والمشاهد.
وأوضح هاني بن ساسي، في تصريح لـ«الشعب”، أن المعرض يمثل امتدادا لتجاربه السابقة، وتجميعا لأعمال أنجزها على مدار سنوات من البحث والرسم والتنقّل عبر مناطق مختلفة من الوطن، مشيرا إلى أن إقامة معرض تشكيلي لا تتمّ بين ليلة وضحاها، بل تتطلّب وقتا وجهدا ومراكمة للتجارب والانطباعات، وأضاف أن أسفاره ومشاركاته في الفعاليات الثقافية وصالونات الفن التشكيلي أتاحت له اكتشاف أمكنة جديدة والتعرّف على خصوصياتها المعمارية والطبيعية والتراثية، وهو ما غذّى رغبته في مواصلة الاشتغال على موضوع المكان. كما يستفيد خلال هذه الرحلات من الصور الفوتوغرافية التي يلتقطها ويصنفها، قبل اختيار ما يلهمه منها وتحويله إلى أعمال تشكيلية تحمل بصمته الخاصة، ولا تقتصر على نقل المشهد كما تراه العين، بل تعيد تقديمه وفق إحساسه ورؤيته الفنية.
ويتمسّك الفنان بالأسلوب الانطباعي الذي يرى فيه وسيلة ملائمة للتعبير عن الطبيعة والتراث، لما يمنحه من إمكانات في معالجة الألوان والإنارة والظلال، وإبراز التفاصيل التي قد لا تلتقطها النظرة العابرة، وأشار إلى أن مشاهدة بعض اللوحات من مسافة مناسبة تساعد على إدراك انسجام الألوان وتداخلها، وتكشف عن تفاصيل تتضح أكثر عند الابتعاد عن سطح العمل.
وفي هذا السياق، أوضح محدثنا أن الضوء يسهم في إنتاج درجات لونية متعدّدة، تتغير باختلاف الأوقات والظروف الطبيعية، كما تتجلى بوضوح في لحظتي الشروق والغروب. فاللون عنصر أساسي في بناء اللوحة الانطباعية، شأنه شأن الظل الذي يكمل حضور الضوء ويمنح العناصر عمقا وحيوية.
وتحتل الذاكرة التاريخية والمعمارية حيزا بارزا في المعرض، من خلال لوحات تستحضر القصبة، وقصر الداي، وفضاء وسط الدار، والحايك، وجلسات النسوة، في محاولة لإعادة تقديم تفاصيل من الحياة الجزائرية التقليدية، وما تحمله من دلالات اجتماعية وثقافية.
وقال بن ساسي، إنه يتعمد أحيانا استحضار الأمكنة في فترات ازدهارها، متجاوزا صورتها الراهنة، حتى يلفت الانتباه إلى قيمتها التاريخية ومكانتها في الذاكرة الوطنية. ويبرز هذا التوجّه في أعمال القصبة، حيث استلهم بعض معالمها من اللوحات الاستشراقية التي وثّقت التراث الجزائري، مع الحرص على تفادي استنساخها، وإضافة عناصر تعكس رؤيته الخاصة، سواء من خلال الشخصيات أو التفاصيل أو طريقة توزيع الضوء، بما يضفي على المشهد دفئا وحركة.
وفي المقابل، تمنح الطبيعة التلمسانية جانبا آخر من التجربة، إذ تستحضر لوحة «طريق الورد» بساتين المنطقة خلال ربيع 2026، ضمن مجموعة من الأعمال التي تحتفي بالزهور وتنوّع ألوانها، من الأحمر والبنفسجي إلى الوردي والأبيض. وتبرز بعض هذه اللوحات أثر الضوء الخافت وقطرات الندى، في معالجة تشكيلية تستثمر جمال التفاصيل ورهافة المشهد الطبيعي.
وضمّ المعرض أعمالا في الطبيعة الميتة، من بينها تشكيلات من الزهور المجففة، في تنويع لموضوعات التجربة الفنية. ويؤكد بن ساسي، من خلال هذه الأعمال، ضرورة أن يظلّ الفنان التشكيلي في حالة بحث وإنتاج مستمرين، محافظا على صلته بالريشة والألوان، ومنفتحا على ما تمنحه الرحلة من اكتشافات وإلهامات جديدة.
وبين الذاكرة التاريخية وتنوّع الطبيعة، قدّم معرض «في ذاكرة المكان.. رحلة بصرية بين التراث والطبيعة» قراءة فنية للمشهد الجزائري، لا تتوقّف عند جمال الأمكنة، بل تسعى إلى استعادة دلالاتها الثقافية والإنسانية، والتذكير بأن التراث ليس مجرد أثر من الماضي، وإنما رصيد حي تتجدّد قراءته عبر الفن.



