يشهد قطاع التعليم العالي والبحث العلمي في الجزائر خلال السنوات الأخيرة تحول إبستمولوجي ووظيفي عميق، يمسّ جوهر الفلسفة الأكاديمية والرسالة المجتمعّية للمؤسسات الجامعية؛ إذ لم تعد الجامعة مجرّد فضاءات تعليمية محصورة في إنتاج المعرفة النظرية، وتلقين الدروس والمحاضرات وإصدار الشهادات الأكاديمية، بل أضحت فاعلاً محورياً في صناعة الثروة الإقتصادية، وتفعيل ديناميكيات التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة والشاملة..
وتتجسّد هذه المقاربة الحديثة في الانتقال المتسارع والمنهجي من نمط الجامعة التقليدية إلى نموذج الجامعة المقاولاتية والمنتجة للثروة، وهي الجامعة التي تسعى بجدية إلى تحويل المخرجات العلمية إلى حلول تكنولوجية عملية، ومنتجات ذات قيمة اقتصادية مضافة قابلة للتصنيع والتسويق، ومؤسسات اقتصادية ناشئة قادرة على المنافسة والاستدامة في بيئة الأعمال المعاصرة.
وفي هذا السياق الاستراتيجي الواعد، أطلق وزير التعليم العالي والبحث العلمي البروفيسور “كمال بداري” التحدي الوطني لتطوير النماذج الأولية والمسمى “ProtoMarket” باعتباره إحدى الآليات التنفيذية الأكثر نضجا وفاعلية لربط رأس المال الفكري والبحثي بالنسيج الاقتصادي الوطني بشكل يهدف إلى الانتقال الجذري بالمشاريع الابتكارية من مرحلة التصوّر النظري والنمذجة البحثية إلى مرحلة العمليات التسويقية والربحية وإنشاء المؤسسات الناشئة القادرة على النمو والمنافسة، وخلق فرص العمل المستدامة، وتكتسي هذه المبادرة أهمية بالغة لأنها تنقل النقاش الأكاديمي حول الابتكار الجامعي من مرحلة التشجيع النظري للأفكار والمفاهيم العامة إلى مرحلة أكثر إجرائية وارتباطاً بالواقع الميداني للسوق، من خلال التركيز المباشر على النموذج الأولي، ومستوى النضج التكنولوجي، ونموذج الأعمال التجاري، والاحتياجات الفعلية للقطاعات الصناعية والخدمية والمجتمعية.
ويشير برنامج “ProtoMarket”، إلى تحدي وطني متكامل موجّه لأصحاب المشاريع المبتكرة من طلبة وباحثين، حيث يركز بصورة أساسية على تحسين وتطوير النماذج الأولية وتحويلها إلى منتجات ناضجة قابلة للتسويق والاستغلال التجاري، مع ربط تلك المشاريع بإنشاء مؤسسات ناشئة قادرة على استثمار الابتكار اقتصادياً وتجسيده ميدانياً، وتبرز أهمية تحدي”ProtoMarket”، في تشييد جسر تنفيذي متين بين مرحلتين طالما ساد بينهما انفصال هيكلي وفجوة تمويلية وتنظيمية تُعرف في الأدبيات الدولية للإبتكار بـ«وادي الموت”، وهي المرحلة التي تفصل بين ابتكار الحل التقني في الجامعات وحاضنات الأعمال، من خلال المخرجات التقنية والهندسية، وبين وصوله الفعلي إلى أيدي المستهلكين والمؤسسات الاقتصادية، والتي تعبر عن البيئة التنافسية والاقتصادية التقييمية للمنتوج.
إن أهمية هذا التوجّه تكمن في كون الكثير من الأفكار والابتكارات الجامعية قد تكون ذات قيمة علمية كبيرة، لكنها قد لاتصل بالضرورة إلى مرحلة النموذج التسويقي المربح، فقد يمتلك الطالب أو فريق العمل فكرة مشروع مبتكر، أو يصلون إلى نموذج أولي جيد، لكن ذلك لا يعني تلقائياً وجود منتج جاهز للاستهلاك والتسويق، ولهذا السبب تحديداً، يأتي برنامج “ProtoMarket” ليركّز على هذه المرحلة الانتقالية الحرجة التي تتطلّب توفير الموارد المادية، والمرافقة التقنية، والخبرة التسويقية والقانونية، بما يشمل تحسين ووظائف النموذج الأولي، وتحديد الاحتياجات الدقيقة للسوق، وإعداد نموذج الأعمال التنافسي، ودراسة التكاليف التشغيلية، وحماية حقوق الملكية الفكرية، وتحديد شرائح الزبائن، وصياغة استراتيجيات إختراق الأسواق الوطنية والدولية.
إن عملية الانتقال من النموذج الأولي إلى المنتج التجاري القابل للتسويق والتوزيع، ليست مجرّد مسألة تقنية بسيطة، بل هي مسار متعدّد الأبعاد يتقاطع فيه البحث العلمي التطبيقي مع التسويق، والتمويل، والإدارة التنفيذية، والأطر التشريعية والقانونية، فقد يكون النموذج الأولي ناجحا من الناحية التقنية والوظيفية، ولكنه غير قادر على المنافسة في السوق من حيث تكلفة الإنتاج أو التوزيع، وقد يكون المنتوج يتميز بالخصائص النوعية الجيدة، ولكنه يفشل في إيجاد الطلب الفعّال في السوق، كما أن الابتكار قد يحمل قيمة علمية عالية جدا، ولكن غياب الحماية القانونية وبراءات الاختراع يجعله عرضة للتقليد أو المحاكاة، إضافة إلى ذلك، قد تواجه المشاريع الابتكارية صعوبة في تشكيل فريق عمل متكامل قادر على إدارة المؤسسة الناشئة بكفاءة وحوكمة عالية.
بناءا على هذه الرهانات الميدانية، يطرح برنامج “ProtoMarket” على الطلبة الرياديين والمبتكريين، منظومة متكاملة من الأسئلة الجوهرية التي تتجاوز السؤال التقليدي البسيط حول ما إذا كانت الفكرة جديدة أم لا، فمن خلال هذا البرنامج، يعمل التقييم على تحديد المشكلة السوقية الدقيقة التي يحلها المنتوج، والهوية المحددة للمستخدم النهائي أو الزبون المستهدف، ومستوى الحاجة الفعلية والواقعية في السوق للحل المطروح، وإمكانية تصنيع المنتوج بتكلفة تنافسية مقبولة تجاريا، ومدى القدرة على توسيع خطوط الإنتاج والخدمة مستقبلا، والميزة التنافسية المحققة مقارنة بالحلول والبدائل الموجودة حاليا، وكيفية بناء هيكل الإيرادات والتكاليف، وحماية الملكية الفكرية، وتحديد الموارد البشرية والتقنية المطلوبة لإنشاء مشروع اقتصادي مستدام، هذه التساؤلات الإجرائية تجعل من البرنامج منظومة متكاملة لتحويل المعرفة إلى قيمة إقتصادية مضافة.
ولتحقيق هذه الغاية الشاملة، يعتمد برنامج “ProtoMarket” في الطبعة الثانية، على مؤشرات قياسية علمية ومعايير عالمية لتقييم الابتكارات، وفي مقدمتها مؤشر “مستوى الجاهزية التكنولوجية” (Technology Readiness Level – TRL). ويُستخدم هذا المؤشر الدولي لتحديد مدى نضج التكنولوجيا وانتقالها المنهجي من مرحلة الصياغة النظرية والبحث الأساسي إلى مراحل التطوير، والتطبيق الميداني، وقد جاء التركيز في البرنامج على رفع نضج النماذج الأولية المشاركة إلى مستوى “TRL 4” على الأقل، بما يعكس توجها استراتيجيا جادا نحو دعم المشاريع التي تجاوزت مرحلة الأفكار المجردة على الورق، وأصبح لديها أساس تجريبي قابل للإختبار في الأسواق المختلفة.
وبالموازاة مع معيار النضج التكنولوجي، يعطي البرنامج أهمية بالغة لمخطط نموذج الأعمال (Business Model Canvas – BMC)، باعتباره أداة تحليلية أساسية تسمح لصاحب المشروع المبتكر بصياغة الرؤية الاقتصادية والتجارية لمشروعه بشكل متكامل، وتشمل هذه الأداة دراسة القيمة المقترحة للزبائن، وتحديد شرائح المستهلكين بدقة، وقنوات التوزيع والوصول، وطبيعة العلاقات مع الزبائن، وهيكل الإيرادات المتوقعة، والموارد والأنشطة والشركاء الرئيسيين، إضافة إلى التحليل الدقيق لهيكل التكاليف والحدود المادية للربحية، إن هذا التركيز المزدوج على النضج التكنولوجي والنضج الاقتصادي يضمن عدم حصر النجاح في جودة المنتوج الفنية فقط، بل يمتد ليشمل وجود زبائن ومستهلكين مربحين، مما يحمي المشروع الناشئ من خطر الخروج المبكر من السوق.
وتتميز مجالات المشاريع التي يستوعبها برنامج “ProtoMarket”بالتنوّع والشمولية، لتغطي مختلف الميادين الحيوية والاستراتيجية التي يحتاجها الاقتصاد الوطني، هذا التنوّع القطاعي يعكس رغبة واضحة في توسيع مفهوم الابتكار الجامعي ليخرج من حصر الابتكار في التطبيقات الرقمية والحلول السحابية، ويتجه بثبات نحو الصناعات الثقيلة، والتحوّل الطاقوي، والأمن الغذائي، والصحة، والبيئة.
إن الغاية النهائية للبرنامج تكمن في جعل النموذج الأولي نقطة الانطلاق المهمة لإنشاء مؤسسة ناشئة قادرة على النمو والمنافسة، فالمؤسسة الناشئة الناجحة لا تنشأ من فراغ، بل هي ثمرة مسار منظم يبدأ بتبني مشكلة واقعية، ثم ابتكار الفكرة، ثم بناء النموذج الأولي، فإجراء بحوث السوق، وصياغة نموذج الأعمال، ثم الانطلاق القانوني والتجاري، ويُظهر تتبع مسار البرنامج، ولا سيما مع إطلاق طبعته الثانية، منحنى صاعداً نحو النضج والاحترافية والارتقاء المنهجي، فقد شهدت هذه الطبعة التركيز المكثف على المعايير الكيفية، ومستويات الجاهزية التكنولوجية، ونماذج الأعمال، مع مشاركة واسعة للحاضنات ومراكز تطوير المقاولاتية عبر مختلف المؤسسات الجامعية الوطنية، وقد أثبتت المعطيات والمشاريع المسجلة حركية كبيرة واهتماماً بالغاً من طرف رواد الأعمال من الطلبة والباحثين، مما يؤكد التحوّل العملي الفعلي في طبيعة النماذج الأولية للمشاريع الاقتصادية المبتكرة، ومن هذا المنطلق، تتمّ عملية تقييم المشاريع الابتكارية بناءًا على رؤية متعدّدة الأبعاد تأخذ بعين الاعتبار القيمة العلمية، والقيمة الاقتصادية والتجارية، والأثر الاجتماعي، والاستدامة البيئية، والقدرة على النمو السريع في السوق.
ختاماً، يمكن القول إن برنامج “ProtoMarket” يمثل تجربة نموذجية ومحورية في المسار الوطني لتطوير منظومة الابتكار والمقاولاتية الجامعية في الجزائر، كما أن سرّ القيمة الاستراتيجية للبرنامج يكمن في تركيزه الدقيق على أكثر مرحلة تعقيداً في حياة الابتكار، وهي مرحلة العبور من النموذج الأولي إلى مرحلة المنتوج النهائي في السوق، ومن خلال الجمع بين الدعم المالي، والمرافقة العلمية والتقنية، والتكوين المقاولاتي، وحماية الملكية الفكرية، والربط بالحاضنات والمؤسسات الاقتصادية، يضع البرنامج اللبنات الأساسية لجامعة جزائرية منتجة للثروة، وقادرة على تحويل عقول طاقاتها البشرية والطلابية إلى محركات حقيقية للتنمية وتعزيز الاقتصاد المعرفي المستدام. إن الرهان المستقبلي يتطلّب مواصلة تعزيز هذه الديناميكية، وتكاتف جهود كافة الفاعلين من مؤسسات جامعية، وحاضنات أعمال، وصناديق تمويل، ومؤسسات اقتصادية، لجعل الابتكار الجامعي جسراً متيناً نحو بناء الجزائر المنتصرة القائمة على العلم، والمعرفة، والريادة الاقتصادية.




