حروب هجينة واستغلال رقمي للكوارث لاستهداف الجبهة الداخلية
الاستباق الأمني والأمن السيبراني خط الدفاع الأول
تتجاوز أبعاد حرائق الغابات التي تناولها الوثائقي الذي بثّته وزارة الدفاع الوطني، تحت عنوان “كشف مكائد الخيانة وخيوط العمالة” الخسائر البيئية والمادية، لتطرح تساؤلات بشأن أساليب استغلال الأزمات في استهداف استقرار الدول، في ظل تنامي التهديدات غير التقليدية وتداخل الأبعاد الأمنية والإعلامية والرقمية.
ويرى المحلل السياسي عمار سيغة، أن المعطيات التي عرضها الوثائقي والاعترافات التي تضمنها تسلط الضوء على خطورة المخططات التي تستغل الظروف الاجتماعية للأفراد، وتوظفهم في أعمال تخريبية، بالتوازي مع استغلال الفضاء الرقمي لنشر مشاهد الحرائق وإثارة الخوف والهلع وسط المواطنين.
واعتبر سيغة، في تصريح لـ«الشعب”، أن أهمية هذا العمل التوثيقي تكمن في ما يتيحه من قراءة للتهديدات التي تواجه الجزائر، خاصة ما تعلق بأساليب استغلال الكوارث الطبيعية والإنسانية وتحويلها إلى أدوات للضغط النفسي والسياسي على الجبهة الداخلية.
وأوضح محدثنا أن خطورة هذه الممارسات، لا تتوقف عند إتلاف الغابات والإضرار بالثروات الوطنية، بل تمتد إلى محاولة إرباك مؤسسات الدولة واستنزاف إمكاناتها، من خلال فرض أعباء إضافية على أجهزة التدخل والحماية المدنية، وخلق مناخ من القلق وعدم اليقين داخل المجتمع.
وأشار سيغة إلى أن استهداف الموارد الطبيعية قد يتحول إلى وسيلة ضغط تتجاوز آثارها المباشرة، عندما تتداخل الأعمال التخريبية مع محاولات استغلال نتائجها لتحقيق أهداف سياسية وأمنية.
حروب جديدة بأدوات مختلفة
وبخصوص التحولات التي تعرفها طبيعة الصراعات، شدد سيغة على أن الحروب التقليدية لم تعد الشكل الوحيد للمواجهة، بعدما برزت أنماط جديدة تقوم على توظيف أدوات متعددة للتأثير على الدول من الداخل، في مقدمتها الحروب الهجينة وحروب الجيل الرابع، وتقوم هذه الأساليب – يقول محدثنا – على استغلال الثغرات والضغوط الداخلية، وتوظيف الأزمات الاجتماعية والإنسانية، إلى جانب استخدام المنصات الرقمية لتوجيه الرسائل والتأثير في الرأي العام.
ولفت سيغة إلى أن المعطيات التي عرضها الوثائقي بشأن استغلال بعض الأفراد والارتباطات الخارجية المحتملة، تستدعي الاهتمام بآليات التجنيد والتوجيه، والوسائل التي يمكن أن تستخدم لدفع أشخاص إلى ارتكاب أعمال إجرامية، سواء عبر الإغراءات المالية أو استغلال ظروفهم الاجتماعية.
معركة أخرى في الفضاء الرقمي
ولا تنفصل هذه الأبعاد، وفق المحلل السياسي، عن الدور الذي تؤديه وسائل التواصل الاجتماعي في نقل مشاهد الأحداث وتوسيع نطاق انتشارها؛ إذ إن تصوير الحرائق ونشر مقاطعها قد يتحول، عندما يكون جزءا من نشاط منظم، إلى وسيلة لتضخيم الآثار وبث الخوف بين المواطنين.
وفي هذا الصدد، أوضح سيغة أن خطورة التوظيف الإعلامي للأزمات تكمن في إمكانية الانتقال من عرض مشاهد الأضرار إلى صناعة خطاب يركز على التشكيك في قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة، بما قد يؤثر في مستوى الثقة بين المواطن ومؤسسات بلاده، وأضاف أن مواجهة هذا النوع من التهديدات تقتضي تطوير قدرات الأمن السيبراني، وتعزيز الرصد والتحليل الرقمي، ومواكبة الأساليب المتجددة التي تعتمدها الشبكات المشبوهة، فضلا عن ترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات قبل تداولها.
الاستباق الأمني في مواجهة الاختراقات
ومن زاوية أخرى، أبرز سيغة أهمية العمل الاستخباراتي والتحقيقات التقنية في كشف ملابسات القضايا المعقدة، وأشار إلى أن تحليل الصور والبيانات وتتبع الأنشطة الرقمية يمكن أن يسهم في تحديد المسؤوليات وكشف الروابط بين مختلف الأطراف، متى استند إلى أدلة موثوقة وإجراءات قانونية سليمة، كما نوّه بأهمية التنسيق بين المؤسسات الأمنية ومختلف المصالح المختصة، بما يعزز القدرة على الكشف المبكر عن التهديدات والتصدي لها قبل اتساع نطاقها.وأكد محدثنا أن تطوير آليات الإنذار المبكر ورفع مستوى الجاهزية لا يقلان أهمية عن التحقيقات اللاحقة، باعتبار أن المقاربة الفعالة للأمن الوطني تقوم على الوقاية والاستباق، إلى جانب تفكيك الشبكات الإجرامية ومنع تكرار الأفعال التخريبية.
وعي المواطن.. خط دفاع أساسي
وفي سياق متصل، شدد محدثنا على أن حماية الجبهة الداخلية تتطلب بناء وعي مجتمعي قادر على التعامل مع الأزمات والمعلومات المتداولة بشأنها بقدر عال من المسؤولية، وأكد أن المواطن يمثل عنصرا أساسيا في منظومة الوقاية من التهديدات، من خلال التبليغ عن التحركات المشبوهة، والتحقق من الأخبار، وتفادي إعادة نشر المحتويات التي قد تسهم في نشر الذعر أو ترويج معلومات مضللة.ويرى سيغة أن تعزيز المناعة المجتمعية يستوجب توفير المعلومة الدقيقة في الوقت المناسب، بما يحول دون ترك المجال أمام الشائعات، ويعزز الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.


