زخم ثقافي يعكس متانة الشراكة الاستراتيجية وعمق الروابط التاريخية
مشاركة سعودية وازنة تستعيد ملاحم الإسناد التاريخي للثورة الجزائرية
انطلقت فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب (سيلا 2026)، أمس، بمشاركة استثنائية ونوعية تحلّ فيها المملكة العربية السعودية الشقيقة ضيف شرف، لتجسّد عمق العلاقات التاريخية، والروابط الأخوية المتجذّرة بين البلدين والشعبين الشقيقين، وهي علاقات قائمة على قاعدة صلبة من التضامن العربي والإسلامي المشترك، الذي تشكّل وتوطّد عبر عقود متتالية من الزمن، ليتجلّى في تعاون متكامل ومستمر يغطي الميادين السياسية والاقتصادية والثقافية، والمعرفية.
يستمد الحضور الثقافي السعودي البارز، زخمه من الإرادة المشتركة والحرص المتواصل لقيادتي البلدين على صون الإرث الأخوي التاريخي، وتطويره عبر مختلف الآليات والأطر المؤسّسية، وقد تكرّس المسار الثنائي -في السنوات الأخيرة- من خلال تأسيس مجلس التنسيق السامي بين الجزائر والمملكة العربية السعودية، والذي يمثل منصة استراتيجية عليا لتوسيع مجالات التعاون الثنائي، وبناء شراكات شاملة.
ويمنح هذا الإطار الدبلوماسية الثقافية أهمية خاصة انطلاقا من دورها المحوري في مدّ جسور التواصل المستدام وتعميق التفاهم والتقارب الوجداني بين الشعبين، فضلا عن تثمين الرصيد التراثي والفكري المشترك، عبر استئناف وتجديد الاتفاقيات ومواصلة اللقاءات والمشاورات الرسمية في المجالات الأدبية والفنية والأكاديمية.
ذاكــــــرة التضامـــن المشــــترك
يتجاوز الحضور السعودي البعد الاحتفالي العابر ليعيد استحضار الذاكرة التاريخية المشتركة والمواقف المشرّفة التي خلّدت مسار العلاقات الثنائية؛ حيث برزت المملكة العربية السعودية في طليعة القوى العربية والإسلامية التي قدمت دعما ثابتا وإسنادا حاسما لثورة أول نوفمبر التحريرية المجيدة، وقد تجلّى ذلك الإسناد في أبعاد سياسية وإنسانية ومادية ملموسة، حملت خلالها المملكة لواء الدفاع عن حق الشعب الجزائري المشروع في الانعتاق والتحرّر والاستقلال الوطني أمام المحافل الدولية والهيئات الأممية، مترافقا مع حملات تعبئة شعبية واسعة النطاق رسّخت عدالة الثورة في الوجدان الجمعي للأمّة. ويتكامل هذا الرصيد التاريخي مع الامتداد الفكري والإنساني المتواصل، والذي برز من خلال الحضور المعرفي لنخبة معتبرة من كبار الأدباء والعلماء والمثقّفين الجزائريّين الذين أقاموا في ربوع المملكة، وأسهموا في إثرائه العلمي منذ مطالع القرن العشرين.
نهضة النشر وصناعــــة المعرفــــة في رؤيـــة 2030
تأتي المشاركة السعودية في هذه الطبعة لتعكس القفزة النوعية والنهضة الحضارية التي يشهدها قطاع النشر وإنتاج الكتاب في المملكة، في سياق التحوّلات التنموية الكبرى التي تؤطّرها “رؤية السعودية 2030”، والتي جعلت من الصناعات الثقافية والمعرفية محرّكا رئيسيا من محرّكات التنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وتفيد المؤشّرات الرسمية، بأنّ منظومة النشر في المملكة تشتمل على أكثر من خمسمائة دار نشر محلية تعمل باقتدار على نشر وتوزيع الإنتاج الإبداعي السعودي والعربي، ونقله إلى فضاءات أوسع محليا وعربيا وعالميا، وقد حظيت هذه البيئة بنقلة نوعية من خلال تأسيس “هيئة الأدب والنشر والترجمة” و«اللجنة السعودية للأدب والنشر والترجمة”، واللّتان تتوليّان إدارة الشأن الاستراتيجي والتنظيمي للقطاع عبر منح التراخيص وتأمين التمويل وضمان التطوير المهني المستمر للناشرين والمؤلّفين، إلى جانب مواكبة التوسّع السريع للنشر الرقمي والكتب الإلكترونية تلبية للإقبال المتزايد من قبل فئات القرّاء والأجيال الجديدة.
إشعــــاع دولي متنــــامٍ ومبــــادرات رائـــدة للترجمــــة
تواكب الحركية المعرفية السعودية مواعيد دولية كبرى، فقد استقطب معرض الكتاب السعودي عام 2023 نحو 2.2 مليون زائر، وهو مؤشّر واضح على تزايد مكانة المقروئية في المجتمع، كما يبرز معرض الرياض الدولي للكتاب كأحد أضخم المحافل الدولية في هذا المجال، بمشاركة تتجاوز ألف عارض يمثلون أكثر من 25 دولة، متضمّنا سلسلة من الندوات، والورش، والأمسيات الشعرية، والجلسات المعرفية المتخصّصة، إلى جانب الدور الفاعل لمعرض جدة الدولي للكتاب في تنشيط حركة النشر في المنطقة الغربية من المملكة واستقطاب المشاركات العالمية، وتترافق هذه الدينامية مع التوسّع في مشاريع الترجمة الرائدة نحو اللّغات الحية، وفي مقدمتها مبادرة “ترجم” الهادفة إلى تصدير الفكر والإبداع الأدبي السعودي إلى مختلف دول العالم.
حــــوار فكـــــري وأدبـــــي يـــــثري أروقـــــة سيلا 2026
على صعيد البرنامج الثقافي المسطّر لضيف الشرف بـ«سيلا 2026”، وضعت المملكة السعودية برنامجا متكاملا يشرف على تقديم جلساته ومحاورة ضيوفه الأستاذ محمد مهدي الحمادي، متوزّعا بين القاعات الكبرى للصالون ومحتضنا نخبة من رموز الفكر والأدب، ويفتتح هذا الحوار الفكري بندوة رئيسية موسومة بـ«العلاقات الثقافية السعودية الجزائرية: آفاق الحوار الأدبي والتبادل المعرفي” ينشّطها الناقد والأكاديمي سعد البازعي، في قاعة المحاضرات الكبرى، مستعرضا جسور التفاعل بين المشهدين الثقافيّين وآفاق العمل المشترك، وتستضيف القاعة ذاتها ندوة روائية تسبر أغوار السرد بعنوان: “الرواية السعودية والجزائرية: أسئلة المكان والتحوّل” يقدمها الكاتب والروائي عبد الله الوصالي، وتليها جلسة نقدية تحت عنوان: “الحكاية التي لا تشيخ في الأدب السعودي” بمشاركة الدكتورة منال العمري.
الشعــر وقضايــا الــــتراث.. تنـــوّع إبداعــي
يبرز الشعر كركيزة للهوية والوجدان من خلال أمسية شعرية فصيحة بعنوان: “على جناحي نورسة” يحييها الشاعر عيد الحجيلي في قاعة المحاضرات الكبرى، فضلا عن ندوة مخصّصة في القاعة 2 تسلّط الضوء على “الشعر في تشكيل الهوية الوطنية: الكلمة التي تصنع الانتماء” يقدّمها الأكاديمي عبد الله الحيدري.
وتتوالى الجلسات في القاعة ذاتها لمعالجة قضايا الفكر والصناعة الأدبية عبر ندوة “المعارك الأدبية” للباحثة دلال المالكي، وجلسة تبحث في صناعة المعرفة تحت عنوان: “ما بين الكتاب والقارئ.. تحولات النشر ورهاناته” للناشر محمد الفريح، إضافة إلى لقاء فكري يستعرض تجربة “المرصد العربي للترجمة: منصة عربية لتوثيق حركة الترجمة وبناء المستقبل” للأستاذ عبد الحكيم السنان.
ويمتد التنوّع الثقافي في قاعة الطاهر وطار ليشمل جوانب التراث غير المادي عبر محاضرة بعنوان “المطبخ السعودي الجزائري: تقاطعات ثقافية على المائدة” يقدّمها الشيف عبد الصمد الهوساوي، متتبّعا مساحات التلاقي والتمازج في الموروث الشعبي للبلدين.
نــــدوة جامعــة تــوثّق وحـدة المصــير
تتوّج هذه التظاهرة ببرنامج ثنائي مشترك يكرّس الوفاء لمحطات النضال التاريخي، عبر ندوة فكرية وتاريخية كبرى تتناول مساهمة المملكة العربية السعودية في دعم الثورة التحريرية الجزائرية ومرافقة كفاح شعبها لنيل الاستقلال، وتدار هذه الندوة بمشاركة الكاتب مصطفى بوطورة، ويحاضر فيها ثلة من الأكاديميّين والباحثين وهم عبد الله مقلاتي، ورشيد ولد بوسيافة، وعمر بوضربة، ورضوان شافو، ليستعرضوا الوثائق والشهادات التي تثبت عمق هذا التلاحم العربي الخالد، وتشكّل هذه المشاركة الشاملة والنوعية محطة إضافية لتكريس البعد الإستراتيجي للعلاقات الجزائرية السعودية، وتجديد العهد بين ثقافتين وشعبين يجمعهما التاريخ المشرق، والرؤية الواعدة، والمصير المشترك.






