انطلقت فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين من صالون الجزائر الدولي للكتاب، أمس، بقصر المعارض بالصنوبر البحري، لتفتح من جديد أبوابها أمام القرّاء والكتّاب والناشرين، في موعد ثقافي يشكل أحد أبرز المحطات السنوية في المشهد الثقافي الجزائري.
ويتواصل الصالون الدولي للكتاب إلى غاية 7 نوفمبر، تحت شعار «الغد بين دفتي كتاب»، بمشاركة 1567 دار نشر من 51 دولة، فيما تحلّ المملكة العربية السعودية ضيف شرف، في دورة تراهن على توسيع فضاءات الحوار الثقافي، وتعزيز حضور الكتاب في حياة المجتمع، واستكشاف آفاق جديدة للنشر والقراءة.
يأتي صالون الجزائر الدولي للكتاب هذا العام في سياق تتزايد فيه الأسئلة حول مكانة الكتاب في ظلّ التحولات الرقمية المتسارعة وتغير عادات القراءة لدى الأجيال الجديدة، وتنامي أشكال جديدة لاستهلاك المعرفة، وهي أسئلة تمنح التظاهرة أهمية تتجاوز عرض العناوين الجديدة وبيع الكتب، لتجعل منها فضاء للقاء بين مختلف الفاعلين في الحقل الثقافي، ومناسبة لمتابعة ما تعرفه صناعة النشر من تطورات، وما يرافقها من تحديات تتصل بالتوزيع والتسويق والترجمة، فضلا عن ضرورة الوصول إلى القارئ وتوسيع قاعدة المطالعة.وتحمل الطبعة التاسعة والعشرون برنامجا يسعى إلى الجمع بين الكتاب بوصفه وعاء للمعرفة والذاكرة، وبين الوسائط الحديثة التي أصبحت تتيح طرقا مختلفة للتفاعل مع المحتوى الثقافي، ومن أبرز المستجدات التي تعرفها هذه الدورة، تخصيص فضاء يعتمد على الإسقاط ثلاثي الأبعاد، يتيح للزوار تجربة تفاعلية مرتبطة بالتاريخ والذاكرة، في توجه يفتح المجال أمام توظيف التكنولوجيا في تقديم المضامين التاريخية والثقافية، وتقريبها من الجمهور، لا سيما فئة الشباب التي تتفاعل بصورة متزايدة مع التجارب البصرية والرقمية.ويمنح هذا الفضاء بعدا إضافيا للحضور الثقافي داخل الصالون، من خلال تقديم الذاكرة في صيغة تجمع بين المعرفة والتجربة الحسية، وتتيح للزائر الاقتراب من محطات تاريخية عبر وسائل عرض مختلفة.
الترجمة ودعم المواهب الشابة
ومن بين المستجدات التي تسجّلها هذه الطبعة، إطلاق جائزة جديدة للترجمة، في خطوة تضع هذا المجال ضمن الاهتمامات الثقافية للصالون، بالنظر إلى الدور الذي تؤديه الترجمة في نقل الأفكار والمعارف بين اللغات، وتوسيع فرص التفاعل بين الثقافات؛ فالترجمة تتيح للكتاب تجاوز حدوده اللغوية والجغرافية، وتمنح القارئ فرصة الاطلاع على تجارب فكرية وأدبية مختلفة، كما تفتح أمام المؤلفين والناشرين آفاقا أوسع للتعريف بالإنتاج الثقافي الجزائري خارج الوطن. وتزداد أهمية هذا المجال في ظلّ الحاجة إلى تعزيز حركة الترجمة، بما يسمح بالتعريف بالرصيد الأدبي والفكري الجزائري، وإتاحة الفرصة أمام أعماله للوصول إلى قرّاء جدد.
وتمثل الترجمة جسرا للتواصل بين التجارب الإنسانية، وأداة لتوسيع الحوار الثقافي، وتجاوز الحواجز التي قد تحدّ من انتشار الأعمال الأدبية والفكرية.
ويواكب الصالون – من خلال هذه المبادرة – الحاجة إلى إيلاء المترجمين ما يستحقون من تقدير، وإبراز دورهم في الحياة الثقافية، بالنظر إلى ما تتطلبه مهنة الترجمة من معرفة عميقة باللغة والثقافة والسياقات الفكرية والأدبية. كما يفتح إطلاق الجائزة المجال أمام تحفيز الممارسات الإبداعية في هذا الميدان، وتشجيع الاهتمام بالأعمال المترجمة باعتبارها جزءا أساسيا من حركة النشر وتداول المعرفة.
وفي سياق الاهتمام بالأجيال الجديدة، تتواصل جائزة «كتابي الأول»، التي تمنح المواهب الشابة فرصة للتعريف بإنتاجها الأدبي والفكري، وتشجّع أصحاب التجارب الأولى على دخول عالم النشر والكتابة، وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في ظلّ بروز أقلام شابة تحاول التعبير عن انشغالاتها وأسئلتها بلغة جديدة، وتتناول قضايا المجتمع والهوية والذاكرة والتحولات التي يعيشها الإنسان في محيطه. وتتصل هذه المبادرات برهان أوسع يتمثل في تجديد العلاقة بين الكتاب والجمهور، وجعل الصالون فضاء يلتقي فيه أصحاب التجارب الراسخة بالأصوات الجديدة، والناشرون بالكتاب، والقراء بمختلف الأجيال. فالتظاهرات الكبرى للكتاب تكتسب قيمتها من قدرتها على خلق حركة ثقافية مستمرة، تتجاوز أيام المعرض إلى ما بعدها، من خلال اكتشاف عناوين جديدة، وفتح مسارات للتعاون، وتحفيز الاهتمام بالقراءة والإنتاج الأدبي والفكري. صالون الجزائر الدولي للكتاب.. أسئلة النشر وتحديات القراءة في العصر الرقمي.






