حفـــظ ذاكـــرة الثـــورة التحريريـــة يقتضي العنايــة بالكتاــب التاريخــي
الكتــاب الورقـــي يحافظ على مكانته رغم تحديات الثورة الرقمية
الجنــاح السعـــودي امتــداد لتاريـخ طويــــل مـــن التضامــن والتمــازج الثقـــافي
سلّط الدكتور رضوان شافو، الباحث وأستاذ التاريخ بجامعة الوادي، الضوء على خصوصية هذه الطبعة من الصالون الدولي للكتاب، ودلالات الاهتمام بالكتاب التاريخي، ورمزية الحضور السعودي كضيف شرف، ومستقبل المقروئية في ظلّ التحوّلات الرقمية المتسارعة بعين القارئ والباحث والمثقف.
– ”الشعب”: ما هي الخصوصية التي اتسمت بها الطبعة الجديدة لصالون الكتاب الدولي في طبعته التاسعة عشر ولفتت انتباهك؟
الدكتور رضوان شافو: تتميز الطبعة التاسعة والعشرون للصالون الدولي للكتاب هذا العام بإضافات نوعية هامة، لا سيما على مستوى الفضاءات الثقافية المخصّصة لاحتضان الندوات، إلى جانب تسجيل زيادة محسوسة في عدد دور النشر المشاركة، بما فيها تلك القادمة من خارج الوطن. ومن المصادفات الموفقة، بحكم تخصّصي في التاريخ والذاكرة الوطنية، تزامن انعقاد هذا المعرض مع فعاليات “الجلسات الوطنية للذاكرة والتاريخ”، كما لاحظت أن الاهتمام بالكتاب التاريخي، شهد قفزة نوعية في السنوات الأخيرة مقارنة بالفترات السابقة، ويتجلى ذلك بوضوح في جودة عمليات الطباعة، وغنى البرامج الثقافية المصاحبة، وتنوّع المبادرات الرامية إلى صون الذاكرة الوطنية، سواء تلك الموجهة للنخبة المثقفة أو تلك الموجهة للأطفال والنشء.
ومن الجوانب الإيجابية البارزة، في ظلّ الثورة الرقمية، إدخال فضاءات للمحاكاة الرقمية ضمن فعاليات المعرض، وعلى رأسها “فضاء الذاكرة”، ورغم أن زيارتي للمعرض كانت استكشافية في يومه الأول، إلا أنني اطلعت على إصدارات جديدة لدور النشر المهتمة بالكتاب التاريخي، خاصة ما يتعلق بتوثيق مسار الثورة الجزائرية. ومن أبرز هذه الإصدارات المذكرات والشهادات الحية لبعض المجاهدين الذين رحلوا عنا، وهو أمر في غاية الأهمية،لأنه بفقدان المجاهد نفقد جزءا أصيلا من الذاكرة، لكن بفضل هذه الإصدارات، نتمكن من تخليد ذاكرتهم وحفظها للأجيال القادمة عبر الكتب المعروضة حاليا في أجنحة المعرض.
– برأيك.. هل الإقبال المكثف للزوار منذ الأيام الأولى للصالون يعدّ مؤشرا على أن المقروئية في أحسن حال؟
يكفي فقط أنه عند دخولي بوابة الصالون، وقفت على تدفق جمهور غفير من مختلف الأعمار وقادم من عديد ولايات الوطن، وهو يحمل حقائب محملة بالكتب، وتحمل هذه المشاهد دلالة ورمزية هامة، لأنه دائما يأتي التأكيد بأن المقروئية في تراجع كبير، خاصة في ظلّ سيطرة الكتاب الإلكتروني والهواتف الذكية، ولكن في الوقت الراهن، توجد حقيقة واحدة مفادها أن الكتاب الورقي يبقى في مكانه ولن يتزحزح، والدليل العدد الكبير من الزوار الوافدين على الصالون باهتمام وشغف.
– حلّت المملكة العربية السعودية ضيف شرف هذه الطبعة، وهناك تقاطع وتقارب بين الثقافتين وتضامن بين الشعبين منذ الكفاح التحرري الجزائري، وبما أنك أستاذ في التاريخ حدثنا عن رمزية وعمق الحضور السعودي، والجزائر تحيي في عمر هذا المعرض ذكرى اندلاع ثورة التحرير المجيدة في الفاتح نوفمبر؟
إن اختيار المملكة العربية السعودية كضيف شرف لهذه الطبعة لم يكن عفويا، بل جاء نتيجة رؤية دقيقة ومدروسة من قبل المنظّمين؛ لأن تقليد استضافة دولة كضيف شرف هو ممارسة معروفة في المعارض الدولية على مستوى العالم أجمع، غير أن اختيار المملكة العربية السعودية تحديدا يعكس عمق العلاقات التاريخية التي تجمع بين البلدين الشقيقين، وهو اختيار يندرج في إطار الاحترام المتبادل، وتقديرا للمواقف المشرفة التي وقفت بها المملكة العربية السعودية إلى جانب الشعب الجزائري، ليس فقط خلال فترة الثورة التحريرية، بل يمتد ذلك إلى ما قبلها منذ القرن التاسع عشر، وتحديدا منذ موجات الهجرة الأولى، فقد كانت المملكة حاضنة لكثير من المهاجرين الجزائريين، وما زالت الأوقاف الجزائرية قائمة هناك إلى غاية اليوم، مما يشهد على التمازج الثقافي العميق بين الشعبين.
ومن الملاحظات القيمة التي لمسناها خلال هذه المشاركة، أن الثقافة السعودية والثقافة الجزائرية تتسمان بتقارب كبير وتطابق في كثير من العادات والتقاليد، وهذا في حدّ ذاته يمثل بعدا بالغ الأهمية.. وعليه، فإن حضور المملكة العربية السعودية في هذا المعرض لا يقتصر على كونه جناحا لعرض الكتب فقط، وغنما يمثل كذلك فرصة حقيقية للتبادل الثقافي الثنائي، حيث يتعرّف الجمهور الجزائري على الثقافة السعودية، وفي الوقت ذاته يتعرّف الوفد السعودي المشارك على الثقافة الجزائرية، مما يعزّز جسور التواصل المعرفي والحضاري بين البلدين.
– كلمة أخيرة حول الكتاب والمقروئية؟
أثمّن – بهذه المناسبة – كل ما تقوم به الدولة الجزائرية في إطار ترقية المقروئية من خلال تقديم إضافات جديدة باستمرار ومحاولة خلق التميز للصالون الدولي من سنة إلى أخرى.






