الروايــة الحديثــة تتخلــى عـــن «البطولـة» وتراهــــن علــى «الهشاشــــة الإنسانيــة»
احتضنت قاعة «الطاهر وطار» ضمن فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر 2026، ندوة فكرية بعنوان «الرواية في حياتنا»، مهداة إلى روح الناقد الراحل محمد داود، نشطها عدد من الروائيين والكتاب والناشرين، بمشاركة عمارة لخوص، وعائشة إبراهيم، وفضيلة الفاروق، وسميرة رشا، وجاسم سلمان، والناشر أحمد رشاد، فيما أدار الجلسة الكاتب لونيس بن علي.
شكل اللقاء فضاءً لتبادل الرؤى حول مكانة الرواية في الحياة الإنسانية، وأثرها في تشكيل الوعي وحفظ الذاكرة ومساءلة الواقع، إلى جانب التوقف عند تحولات الكتابة والنشر والتحديات التي يطرحها الذكاء الاصطناعي على مستقبل الإبداع الأدبي.
وفي مداخلته، تناول الروائي عمارة لخوص مفهوم «الهوية السردية»، معتبرا أن أهمية الرواية تكمن في قدرتها على نقل القارئ إلى حيوات وتجارب إنسانية تختلف عن تجربته الشخصية، وتتيح له اكتشاف شخصيات تنتمي إلى عوالم اجتماعية ومهنية وثقافية متنوّعة، بما يفتح أمامه آفاقا أوسع لفهم الآخر والعالم.
وأكد أن الرواية تمنح القارئ فرصة ليعيش حيوات متعدّدة من خلال الشخصيات، وأن بعض الأعمال الأدبية كان لها أثر عميق في حياته، بل أسهمت في إنقاذه خلال مراحل صعبة.
واستحضر لخوص روايات تركت بصمتها في مساره، من بينها «مدام بوفاري» التي قرأها في المرحلة الثانوية وغيرت نظرته إلى المرأة، و»الإخوة الأعداء» لنيكوس كازانتزاكيس، التي ساعدته على فهم ما كان يجري في الجزائر خلال العشرية السوداء، وصولا إلى «شرق المتوسط» لعبد الرحمن منيف، التي قرأها خلال أزمة حقيقية كان يعيشها أثناء عمله.
كما تحدث عن تجربة أخرى ارتبطت بكتابته رواية «القاهرة الصغيرة»، حين مر بفترة اعتزال للكتابة في روما، قبل أن يقرّر التخلي عن المشروع والتوجّه إلى حياة مختلفة، غير أن مشهدا داخل إحدى المكتبات الإيطالية أعاد إليه علاقته بالكتابة، بعدما شاهد امرأة تحتضن نسخة من روايته، في لحظة جعلته يدرك أن العمل الأدبي قد يجد مكانه في حياة أشخاص لا يعرفهم الكاتب، مؤكدا أن هذا الأثر الإنساني هو ما يمنحه القدرة على مواصلة الكتابة رغم مشقتها.
الرواية الحديثة تراهن على الشخصيات الهشّة
من جهتها، تناولت الروائية الليبية عائشة إبراهيم موضوع الهشاشة الإنسانية باعتباره محورا أساسيا في تجربتها الروائية، موضحة أن المفهوم يحيل إلى القابلية للكسر والانهيار، ولا يقتصر على الإنسان، بل يمتد إلى الأوطان أيضا، بما يحمله من أبعاد وجودية وأخلاقية تتصل بكرامة الذات وما تتعرض له من ظلم وإقصاء وتهميش.
وأشارت إلى أن الرواية الحديثة ابتعدت عن الشخصيات البطولية والنمطية التي سادت في السرد القديم، واتجهت نحو الشخصيات الهشّة باعتبارها مرآة تكشف البنى الثقافية والاجتماعية والأخلاقية للمجتمعات.
وتوقفت عند روايتها الأخيرة «الحرير الشائك»، التي اعتمدت فيها على أصوات نسائية لمساءلة السلطة والقوانين والحروب والمنظومة الاجتماعية، من خلال مصائر نساء تشكلت شخصياتهن تحت تأثير ظروف قاسية، من الاستغلال الأسري والتمييز بين الجنسين إلى النزوح والتهجير وتداعيات الصراعات السياسية.
وأكدت أنها لا تدين سلوكيات تلك الشخصيات بقدر ما تسائل الظروف التي أنتجتها، مشيرة إلى أن هشاشة المرأة ليست صفة فطرية، وإنما نتيجة منظومة قيم وعلاقات اجتماعية وسياسية تفرض عليها مسارات معينة. كما تطرّقت إلى روايتها «صندوق الرمل»، التي اختارت فيها جنديا إيطاليا بطلا، ليس من منطلق تمجيد المستعمر، وإنما للكشف عن الجانب الهش في الإنسان وفهم التحوّلات التي تقوده إلى مصائر مختلفة.
الكتابة النسائية..
أما الروائية فضيلة الفاروق، فتحدثت عن إشكالية تصنيف الكتابة النسائية ضمن ما يسمى «الأدب النسوي»، معتبرة أن هذا التصنيف قد يحصر الإبداع في قضايا المرأة وحدها، وكأنها موضوعات محرّمة أو استثنائية، في حين أن الكتابة تنطلق من تجربة إنسانية أوسع ومن مواجهة أشكال الظلم والقمع.
وتطرّقت الفاروق إلى روايتها «تاء الخجل»، التي واجهت صعوبات في النشر بسبب تناولها موضوع كان يعتبر من الطابوهات، قبل أن ترى النور وتحقق حضورا لافتا، وتفتح أمامها أبواب التواصل مع جامعات وأقسام للغة العربية في الخارج.
وأكدت أن انشغالها بقضايا المرأة امتد إلى أعمال أخرى، من بينها «أقاليم الخوف»، التي ساءلت من خلالها المنظومة الاجتماعية والقانونية التي تحوّل الضحية إلى متهمة، وتحمّل المرأة مسؤولية الاعتداء الواقع عليها بدل مساءلة المعتدي والظروف التي تكرس هشاشتها.
الرواية.. فن للحكي
ومن جانبها، أكدت الروائية المصرية سميرة رشا أن الرواية في أصلها فن للحكي، وأن بذور الكتابة تتشكل منذ الطفولة من خلال حكايات الأمهات والجدات، معتبرة أن الكاتب يولد قارئا قبل أن يصبح صاحب تجربة إبداعية. واستحضرت أثر نجيب محفوظ في تشكيل وعيها الأدبي، إلى جانب «البحث عن الزمن المفقود» لمارسيل بروست، و»الطنطورية» لرضوى عاشور، لما تحمله هذه الأعمال من قدرة على استعادة ذاكرة الأمكنة والناس والقضايا الإنسانية.
وتحدثت عن تجربتها الروائية القائمة على الاهتمام بالشخصيات المنسية في التاريخ، بدل الاكتفاء بالشخصيات الكبرى التي حظيت باهتمام واسع، مشيرة إلى روايتها «سألقاك هناك» التي تناولت من خلالها شخصيات من التاريخ الفارسي، وروايتها «المسحورة» التي اشتغلت فيها على الحضارة الأمازيغية وذاكرة واحة سيوة المصرية، بعد سنوات من البحث والزيارات واللقاءات مع سكان المنطقة.
وأشارت إلى أن الكتابة عن هذه الذاكرة مكّنتها من التعريف بجزء من الهوية الأمازيغية في مصر، مؤكدة أن الرواية تستطيع أن تمنح الجماعات والأماكن المهمشة صوتا وحضورا في الذاكرة الأدبية.
كما تطرّقت إلى روايتها «جواري العشق»، التي تناولت مفهوم الجارية عبر ثلاث مراحل من تاريخ مصر، وما رافقها من تحولات اجتماعية وفكرية.
منجز يحفظ حكاية الإنسان
وفي السياق ذاته، قدّم جاسم سلمان من قطر قراءة لدور الرواية، معتبرا أنها عملية علاج ومقاومة وبقاء، وأنها المنجز الذي يحفظ حكاية الإنسان عبر اختلاف الحضارات والأزمنة، فما يبقى من الأمم هو روايتها وما تتركه من أثر في الذاكرة. وأكد أن الكتابة تمثل شكلا من أشكال الاحتجاج على الواقع ومواجهة الألم، فضلا عن كونها وسيلة لتخيل حياة أفضل، مستحضرا حكاية شهرزاد التي واجهت الموت بالحكي، معتبرا أن السرد كان وسيلتها للبقاء ومقاومة الفناء.
وأشار إلى أن الخيال يشكل عنصرا أساسيا في بناء العمل الروائي، وأن الكاتب الجيد هو من يستطيع صناعة أسطورته وتحويل شخصياته إلى نماذج تعيش في وجدان القراء، مستشهدا بنجيب محفوظ وقدرته على تجسيد الحارة والمدينة.
كما شدّد على أن الإنسان يكتب لأنه لا يحقق الرضا المطلق عن واقعه، ولأن فضوله يدفعه إلى البحث عن عوالم أخرى، مؤكدا أن الرواية من أعظم المنجزات الإنسانية لأنها تمنح الإنسان فرصة التعبير عن ذاته ومقاومة النسيان.
تنوّع أدبي يمنح القارئ خيارات
من جهته، أشاد الناشر المصري أحمد رشاد بالتطور الذي يشهده الصالون الدولي للكتاب بالجزائر، سواء من حيث مشاركة دور النشر أو تنوّع الفعاليات والفضاءات، معتبرا أن الأدب سيظل حاضرا باعتباره وسيلة لقراءة التاريخ والتعبير عن الذات والانفتاح على تجارب إنسانية مختلفة. وتحدث عن تنوع الاتجاهات الروائية خلال السنوات الأخيرة، من الرواية التاريخية والواقعية إلى أدب الجريمة، مؤكدا أن هذا التنوع يثري المشهد الأدبي ويمنح القارئ خيارات متعدّدة.
كما تناول دور الناشر في مرافقة الكاتب، موضحا أن مسؤوليته لا تقتصر على إصدار العمل، بل تشمل توفير مرافقة تحريرية ومناقشة النص مع صاحبه دون التدخل في خصوصيته الإبداعية.






