رحلة الشغــف الخلاق.. مــن عبـق الزيبـان إلــــى الإسهـام في التأســـيس للاقتصـاد المنتـج
أصدر الأستاذ الدكتور محمد رشيد ميلود، الطبعة العربية التجريبية من الكتاب السيري الموسوم «كمال بداري: مفكرا وعالما ورجل دولة»، وهي النسخة المعروضة حاليا بجناح «نقطة» و»بيبلومانيا» المصرية في «سيلا 2026»، وهو الكتاب الذي ألّفه الدكتور ميلود باللغة الروسية ضمن السلسلة العريقة «حياة شخصيات بارزة»، ليقدم للقراء والمتابعين توثيقا موسعا لمسار شخصية علمية وفكرية جزائرية وازنة، من خلال عمل جاد يتتبع الخيوط الدقيقة التي ربطت بين بيئة النشأة القاسية ومحطات التفوق الأكاديمي العالمي.
يتجاوز كتاب «كمال بداري: مفكرا وعالما ورجل دولة»، السرد الخطي التقليدي للكتابة السيرية، ليتبنى مقاربة تحليلية تدمج بين الجغرافيا والتاريخ، والفيزياء، والفلسفة، مستلهما نظريات فكرية عميقة لتفسير الدوافع الداخلية الاستثنائية التي قادت مسار كمال بداري عالما علما، ورجل دولة أحدث ثورة علمية غير مسبوقة، وهو يقحم الجامعة الجزائرية في صلب الاقتصاد المنتج، ويجعلها رافعة تنموية فاعلية بفضل الإبتكار الخلاق.
المنطلق.. من عبق الزيبان
ينطلق الدكتور محمد رشيد ميلود من استعراض معمّق للعمق التاريخي والنضالي لمنطقة الزيبان ومدينة بسكرة التي شكلت – عبر العصور – بوابة حيوية للصحراء الكبرى، وجسرا حضاريا يربط شمال إفريقيا بعمقها الصحراوي وبالمشرق الإسلامي، إذ يستحضر الكتاب ملحمة الزعاطشة لعام 1849 كشاهد تاريخي على صمود المنطقة في وجه الآلة الاستعمارية الفرنسية، ومؤسسا لروح المقاومة التي ستتشربها الأجيال اللاحقة.
في السياق التاريخي المشبع بالتضحيات، يوثق رشيد ميلود مساهمة عائلة بداري في الثورة التحريرية المجيدة، حيث قدّمت ستة شهداء فداء للوطن، ويبرز الكتاب الدور القيادي للجدّ الأكبر محمود الذي هندس انشقاقا بطوليا عن الجيش الفرنسي رفقة أربعة عشر مجندا، ليؤسس خطوط الإمداد اللوجستي للثورة قبل استشهاده في معركة فطناسة عام 1958، كما يوثق معاناة الجد صالح الذي واجه صنوف التعذيب الوحشي لرفضه الوشاية برفاقه حتى استشهاده عام 1957، ليرث الوالد، المجاهد محمد أمانة الكفاح والبناء.
ثنائية الاسم والطموح
يضع الدكتور رشيد ميلود في السيرة أمام مفارقة لافتة رافقت كمال بداري منذ ميلاده، ذلك أن اسمه بالسجلات الرسمية كان «جمال» بينما جرى اسم «كمال» في حضن العائلة المحيطة به، وسجل الكاتب أن هذه الثنائية تعدّ تمازجا بين جمال الطبيعة المحيطة به وطموح الكمال المعرفي الإنساني، لتشكل دافعا خفيا نحو التفوّق، فقد تلقى بداري تعليمه الأولي في صباه، في مدارس المدينة وزاويتها القرآنية، ووازن بين الحفظ الديني والاستيعاب العلمي السريع، وقد لفت نبوغه انتباه معلميه منذ المرحلة الابتدائية، فأطلق عليه أستاذه لقب «سيبويه»، إشادة بفضوله المعرفي وتفكيره التحليلي المعمق في مادتي الرياضيات والفيزياء.. لقد أظهر قدرة استثنائية على استيعاب المفاهيم المجردة، وبحثا مستمرا عن العلل والأسباب الكامنة وراء الظواهر، متجاوزا المقررات المدرسية نحو المطالعة الحرة المعمقة في شتى حقول المعرفة.
من بسكرة إلى بومرداس.. رحلة الشغف الخلاّق
أمام تفّوقه الدراسي في المرحلة الثانوية، واجه الفتى بداري خيارا مفصليا بين دراسة الطب في قسنطينة أو باتنة، وبين التوجّه نحو العاصمة وتوسيع آفاقه الأكاديمية.. في الأخير، قرّر التوجّه نحو المعهد الوطني للمحروقات والكيمياء بمدينة بومرداس.. اختار التخصّص في علم الجيوفيزياء.
وسجل كتاب رشيد ميلود أن مرحلة بومرداس شكلت نقطة تحوّل كبرى في المسار العلمي لكمال بداري، حيث تفاعل مع مناخ أكاديمي دولي وتميز بنقاشاته المعمّقة حول الفيزياء الكمومية والنسبية، وتوجها بكتابة مطويات علمية تبسط تطور الفيزياء من غاليلي إلى أينشتاين، ولقد تأثر تأثرا بالغا بالتقاليد الأكاديمية السوفيتية عبر أستاذه أناتولي فرولوف، الذي أدرك قدرات طالبه الفذة في دمج الرياضيات التطبيقية بالتفسير الفيزيائي.
وتكللت مرحلة بومرداس بتخرّج بداري مهندس دولة في الجيوفيزياء، متصدرا دفعته بمذكرة رائدة في معالجة الإشارة الزلزالية، كان لها الأثر الملموس لاحقا في اكتشاف حقول نفطية وغازية هامة بالجزائر.
موسكو وتحديات الصقيع
استكمالا لطموحه المعرفي، توجّه كمال بداري في أكتوبر 1983 إلى العاصمة السوفيتية موسكو بمنحة للدراسات العليا.. اصطدم فور وصوله بقرار إداري يفرض عليه دراسة سنة تحضيرية لتعلم اللغة الروسية، فرفض تضييع عام كامل من مساره العلمي.. قاده هذا الإصرار إلى اجتياز اختبار استثنائي مكثف شمل خمسمائة مسألة فيزيائية معقدة.. بعد ثلاثة أشهر من التحضير المتواصل وشبه المنعزل في مكتبة لينين الحكومية، اجتاز امتحانات التخصّص والفلسفة واللغة الروسية محققا العلامة الكاملة، ليفرض اسمه بقوة في أروقة جامعة موسكو الحكومية.
شكلت موسكو محطة لامتحان الإرادة والصلابة، حيث قاوم قساوة المناخ الجليدي والغربة والانعزال بالاستغراق الكامل في التحصيل العلمي، والمطالعة الأدبية المعمقة لكلاسيكيات الأدب الروسي كأعمال بوشكين ودوستويفسكي، والانفتاح الواعي على الثقافة الروسية وقاعاتها الفنية كمسرح البولشوي.
الجيوفيزياء وفكّ شفرات الأرض
رغم طموحه الأولي للغوص في فيزياء الجسيمات الأولية، وجّه كمال بداري بوصلته الأكاديمية نحو الجيوفيزياء التطبيقية، مدفوعا بمسؤولية وطنية عميقة أعقبت كارثة زلزال الأصنام، فقد أدرك الحاجة الماسة لتوظيف العلوم الدقيقة في حماية الإنسان من الكوارث الطبيعية، فشرع في إعداد أطروحته لدرجة «مرشح العلوم» (الكانديدات) حول المقدمات الفيزيائية للزلازل.
تطلّب هذا العمل المعقد تنقلا مكثفا بين معهد فيزياء الأرض التابع للأكاديمية السوفيتية للعلوم، وقسم الجيوفيزياء بجامعة موسكو، ومعهد موسكو للاستكشافات الجيولوجية، ومعهد فيزياء الضغط العالي.. وسخّر بداري قدراته في صياغة نماذج رياضية دقيقة تقرأ الإشارات الجيوفيزيائية الكامنة في أعماق الأرض قبل حدوث الصدوع والانهيارات.
ينبغي أن نسجل ـ في هذا المقام ـ أن تقديم سيرة عالم علم بمستوى بداري، الجزائري الوحيد الذي نال شهادة «دوكتور ناووك» من الأكاديمية السوفييتية للعلوم، بعد اكتشافه للمعامل المتعدد المتكونات.. قلنا.. تقديم سيرة بهذا المستوى قد يشعل الرغبة في قراءة الكتاب، فالمؤلف الدكتور محمد رشيد ميلود جعل هذا السفر السيري في 17 فصلا، تقديما لمسار كمال بداري كي يكون نموذجا حيّا لفاعلية «الشغف الخلاّق» ثقةً في الكفاءات الجزائرية وقدرتها على تحويل التحديات والصعاب المتراكمة إلى إنجازات حضارية ترتقي بالوطن نحو مراتب التميز العلمي والمؤسساتي.





