الصالـون الدولـــي للكتـــاب.. فضــاء لترسيــخ القـراءة ومواكبــة التحـوّل الرقمـــي
الإنسـان يظـــل محـور الإبـــداع مهمــــا بلغــت قـــــدرات الذكـــــاء الاصطناعـــي
الذكــــاء الاصطناعــي يعيـــد تشكيـــل صناعـــة الكتـــاب.. والإنســـان يبقـــى صانــع الإبــــداع
الرقمنـــة فرصـــة استراتيجيـــة وليســت تهديـــدا.. وحــدود الحمايـــــة ضـرورة حيويـــة
توقع الخبير في تكنولوجيا المعلومات يزيد أقدال، أن يبقى الذكاء الاصطناعي أداة داعمة للكاتب وليس بديلا عنه، مشددا على ضرورة الحفاظ على البصمة الإنسانية في الكتابة، ودعا إلى التكيف مع التحول الرقمي الشامل والنظر إليه كمحرك للابتكار والتوسع، مع الحفاظ على العلاقة المميزة بين القارئ والكتاب الورقي.
– الشعب: كيف يمكن توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة المقروئية وصناعة الكتاب؟
الأستاذ يزيد أقدال: لا يخفى أن الذكاء الاصطناعي قد أحدث تأثيرا لافتا في عديد المجالات، وعلى رأسها مجالي الكتابة والقراءة. ولدى الحديث عن القراءة، لا يمكن فصلها عن عملية التأليف. وينبغي التأكيد، أننا نواجه تحديا بالغ الأهمية، يتمثل في التأثير الأخلاقي والعلمي للذكاء الاصطناعي على عملية التأليف. ومن المؤكد أن هذه التقنية ستعيد تشكيل عادات القراءة في ظل التحول الرقمي الشامل، حيث لم يعد الكتاب الورقي التقليدي الخيار الوحيد، أمام الفرص الهائلة التي تقدمها المنصات الرقمية. على اعتبار أن هذه المنصات توفر آليات توصية مخصصة للقراء، وفي نفس الوقت تحول القراءة من عملية أحادية الاتجاه إلى تجربة تفاعلية ديناميكية تتكيف مع اهتمامات القارئ وكل ما يفضله. والإنسان أصبح أمام تحول نوعي في أنماط الإنتاج والاستهلاك الثقافي، مما يطرح في آن واحد تحديات كبيرة وفرصا واعدة لصناعة الكتاب والمقروئية.
– هل توجد إمكانية لاستثمار الذكاء الاصطناعي بشكل إيجابي لتطوير عملية الكتابة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على مكانة الكتاب الورقي وضمان استمرار إقبال القراء عليه؟
يكمن الرهان الرئيسي في تحديد مدى مساهمة الذكاء الاصطناعي في تحسين جودة التأليف وتسريع وتيرته، وتوفير معلومات أكثر دقة وحداثة، حيث يكون أداة داعمة للكاتب في صياغة المحتوى دون المساس بالطابع الإنساني للإبداع. أما الإشكالية الجوهرية في الوقت الراهن تكمن في كيفية منع الذكاء الاصطناعي من أن يتحول إلى «المؤلف الحقيقي» للعمل، والحفاظ على البصمة الإنسانية في الكتابة. كما يبرز بعد أخلاقي وقانوني مهم، لأنه إذا ساهم الذكاء الاصطناعي بنسبة 20 بالمائة أو 30بالمائة في تأليف كتاب، هل يظل الكاتب هو المؤلف الوحيد المعترف به؟ وكيف نرسم حدودا واضحة للاستخدام المسموح به، ومن هي الجهة المخولة لتحديد هذه النسب وضبطها؟.
– بصفتكم خبيرا مختصا في تكنولوجيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي، كيف ترون مستقبل الكتاب سواء كان رقميا أو ورقيا، وهل ستسهم الرقمنة فعليا في توسيع قاعدة المقروئية؟
نعيش في الوقت الحالي مرحلة انتقالية حرجة ومعقدة، لأن الجيل الجديد يستهلك محتوى رقميا متزايدا يتجاوز الإطار التقليدي للكتاب. فيما يكمن التحدي في كيفية الوصول إلى هذه الشريحة الشبابية وتكييف المحتوى مع أنماط استهلاكها الجديدة. كما أن الذكاء الاصطناعي في حد ذاته، لا يزال في طور التشكل، ولا أحد يستطيع تحديد حدوده النهائية بدقة. وبسبب كل ذلك، يجب على الإنسان والحكومات والمؤسسات المعنية وضع أطر تنظيمية وأخلاقية صارمة تمنع تجاوز هذه التقنية للحدود المعقولة. ونذكر أن التفاعل الحالي بين الواقع والتقنية هو ما سيحدد ملامح المستقبل، وسيكون لقطاع الكتاب نصيب وافر من هذا التأثير، سواء كفرصة أو كتحد.
– إلى أين تتجه صناعة الكتاب بصفة عامة، سواء في شقيها الورقي والإلكتروني، في ظل ما سبق من معطيات؟
لا أعتقد أن صناعة الكتاب تواجه تهديدا وجوديا، فهي أمام تحديات وفرص متزامنة. صحيح أن دور النشر تتساءل عن مستقبل الكتاب الورقي، إلا أن الفعاليات الثقافية كالمعارض والصالونات الدولية للكتاب تظل فضاءات حيوية تحافظ على العلاقة العضوية والمميزة بين القارئ والكتاب الورقي، وهي علاقة تختلف جوهريا عن التجربة الرقمية. ومع ذلك، يظل التحول الرقمي هو المستقبل، مما يحتم على القطاع التكيف مع هذه المعطيات الجديدة، والنظر إلى الرقمنة كفرصة استراتيجية للتوسع والابتكار، وليس مجرد تهديد يجب تجنبه.
– كيف تقيّمون تجربة الصالون الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين، من حيث إقبال الجمهور، وتنوّع المعروض، وحضور الفئات المختلفة بما فيها العائلات؟
أعتبر الصالون الدولي للكتاب حدثا ثقافيا سنويا يجمع القراء والعائلات. ورغم الجدل الدائر حول ما إذا كان المشترون للكتب هم قراء فعليا، إلا أن الأكيد هو أن هذا الفضاء يشهد زخما جديدا. لأن طرح مؤلفات جديدة، خاصة تلك التي ينتجها الشباب باستخدام الذكاء الاصطناعي، يطرح إشكاليات جديدة تستدعي التقييم الدقيق من حيث جودة المحتوى وملاءمته للجمهور. وهل يقرأ الجيل الجديد حقا؟ وهل أثر المحتوى الرقمي السريع على قدرته على التركيز في القراءة العميقة؟ وكل هذه التساؤلات الجوهرية تطرح نفسها بقوة وتتطلب وقتا ومعايير موضوعية لتقييمها.
– هل تعتقدون أن الذكاء الاصطناعي سيتمكن مستقبلا من استبدال العنصر البشري؟
نعيش حاليا تحولا تاريخيا قد يكون الأضخم في مسيرة البشرية، ولكن يظل الإنسان هو المركز والمحور في جميع المجالات. فمن الناحيتين الأخلاقية والسياسية، سيأتي وقت يجب فيه فرض حدود صارمة على هذه التقنية، وإلا فإننا نسير نحو عالم مختلف تماما قد يفقد فيه الإنسان دوره المركزي.
– كلمة أخيرة في ختام هذا اللقاء..
أرى أنه يجب أن ينظر إلى الذكاء الاصطناعي في المقام الأول كفرصة استراتيجية هائلة، لكن شرط وضع أطر تنظيمية وأخلاقية واضحة تحدد حدود استخدامه. وفي النهاية، يبقى هذا التطور التقني أداة قوية يمكن الاستفادة منها إذا أحسنا توظيفها.





