حكايــات التضحيــة والصمـــود فـي عـــين البنيـــان
عشية الاحتفاء بالذكرى الـ72 لثورة التحرير المجيدة اختارت الكاتبة جميلة لونيس بلحاج توقيع كتابها التاريخي الهام الموسوم بـ«ثوار غيوتفيل بجناح دار القبية، والذي تعود فيه لتحفظ إلى ذاكرة كفاح وتضحية مدينتها عين بنيان بالعاصمة، المعروفة خلال الحقبة الاستعمارية باسم “غيوتفيل” لتعيد الاعتبار إلى رجال ونساء حملوا الثورة في قلوبهم، وأسهموا بتضحياتهم في استعادة الاستقلال، بقوة الحديد والنار، دون أن تنال قصصهم ما تستحقه من التوثيق والاهتمام.
في كتابها الجديد “ثوار غيوتفيل أثناء الاستعمار”، تخوض جميلة لونيس بلحاج رحلة في الذاكرة المحلية، تستحضر من خلالها وجوه المناضلين والثوار الذين ارتبطت حياتهم بمسيرة الكفاح الوطني. وتنطلق الكاتبة، من انتمائها إلى هذه المنطقة الواقعة على بعد 16 كيلومترا غرب العاصمة، ولا تنظر الكاتبة إلى التاريخ باعتباره أحداثا كبرى وأسماء لامعة فقط، وإنما تنظر إليه كحكايات إنسانية متوارثة، تختزنها ذاكرة العائلات وتنتظر من يصغي إليها قبل أن يطويها النسيان.وأكدت في تصريح لـ«الشعب” أن ما دفعها إلى خوض هذه التجربة هو اقتناعها بأن الثورة الجزائرية لم يصنعها القادة والشخصيات البارزة وحدهم، وإنما أسهم في نجاحها أيضا مواطنون بسطاء، آمنوا بالحرية وقدموا تضحيات كبيرة في صمت، فكانوا سندا للمجاهدين وركيزة أساسية في مسار التحرر وافتكاك الاستقلال. وترى الكاتبة بلحاج أن من تسميهم الذاكرة الشعبية من أبناء المنطقة، لم يكن حضورهم دائما متناسبا مع حجم ما قدموه، وهو ما جعل الكاتبة تتخذ من التوثيق مسؤولية ثقافية وإنسانية، ومن الكتابة وسيلة لإنصاف من بقيت حكاياتهم حبيسة البيوت وصدور ذويهم.واختارت جميلة بلحاج بإصرار وحماس أن تطرق الأبواب واحدا تلو الآخر، وتلتقي عائلات الشهداء والأرامل، مستمعة إلى شهاداتهم، وجامعة لما احتفظوا به من تفاصيل عن مرحلة الاستعمار. وكانت رحلة بحث ميداني تعتمد فيها على الإصغاء والمثابرة، ومحاولة استعادة وقائع عاشها أشخاص عاديون في ظاهرهم، لكنهم كانوا جزءا من ملحمة الحرية الوطنية الاستثنائية.وتكشف الشهادات التي جمعتها الكاتبة عن جوانب من المعاناة التي عاشها أبناء المنطقة خلال الثورة، بما في ذلك اعتقال 17 ثائرا والتنكيل بهم في ظروف القمع الاستعماري. ومن خلال هذه الوقائع، تسعى إلى نقل التاريخ من دائرة الأرقام والأحداث المجردة إلى فضائه الإنساني، حيث تتجسد التضحيات في مصير أشخاص وعائلات تحملت قسوة الاستعمار، وظلت ذاكرتها شاهدة على مرحلة لا تزال تفاصيلها تستحق المزيد من البحث والتوثيق.





