دستور 2020 كرّس حرية التعبير بضمانات دستورية غير مسبوقة
المنظمات الغربية تفتقد إلى الموضوعية والحياد وتتجاهل أوضاع الدول
أصدرت دار النشر العالمية العريقة «روتلدج» (Routledge) بكل من لندن ونيويورك، مؤلفا علميا مرجعيا جديدا باللغة الإنجليزية يحمل عنوان «حرية الإعلام في مشهد صحفي متطور» (Freedom of the Media in an Evolving Journalistic Landscape بمشاركة بارزة للخبير والأستاذ الجامعي الجزائري المختص في علوم الإعلام والاتصال، الدكتور العيد زغلامي، ضمن فريق بحثي يضم عشرين أكاديميا من مختلف دول العالم.
وتناول الدكتور العيد زغلامي بالتحليل المعمق، مسار وتطور حرية التعبير والممارسة الإعلامية في الجزائر، مستعرضا المحطات الدستورية والقانونية التي أسست للمشهد الإعلامي الوطني عبر مختلف المراحل التاريخية.
ويتوزع المؤلف الجماعي – وفق مصادر من لندن – على ثلاثة محاور أكاديمية رئيسية، تهدف إلى الإحاطة بمفهوم حرية الصحافة في سياقات جيوسياسية متباينة، يركز المحور الأول على التأسيس المفاهيمي للصحافة واستعراض المنهجيات المعتمدة في قياس مؤشرات حرية الإعلام على المستوى العالمي، بينما يتناول المحور الثاني واقع الممارسة الإعلامية في الدول التي تصنف ضمن الديمقراطيات الغربية، مبديا الملاحظات النقدية حول مسارها، ويخصص الكتاب محوره الثالث لتشريح واقع حرية التعبير، ما يجعله وثيقة بحثية شاملة ترصد التحولات العميقة في الحقل الإعلامي الدولي.
وقدم الدكتور العيد زغلامي في مساهمته الأكاديمية قراءة تحليلية دقيقة لتطور المشهد الإعلامي الجزائري، منطلقا من أول وثيقة دستورية للبلاد سنة 1963، وهي المرحلة التي اتسمت بصعوبات جمة نتيجة الظروف السياسية الداخلية والخارجية المعقدة التي ميزت سنوات الاستقلال الأولى، وتوقف عند التحولات السياسية لعام 1965 التي أفرزت توجها جديدا نحو نظام الحزب الواحد والنهج الاشتراكي الذي تكرس لاحقا وبشكل رسمي في دستور 1976 والميثاق الوطني، حيث سادت رؤية الأحادية في الفكر والتنظيم السياسي والإعلامي.
وأبرز الخبير الجزائري أهمية المنعطف التاريخي لعام 1989، مؤكدا أن الدستور الصادر في ذلك العام شكل محطة مفصلية ونقلة نوعية غير مسبوقة في تاريخ الجزائر المعاصر، فقد أسست هذه الوثيقة الدستورية لعهد التعددية في مختلف مناحي الحياة العامة، وشملت إقرار التعددية السياسية، الثقافية، والإعلامية على حد سواء، وتجسد هذا الانفتاح من خلال صدور أول قانون عضوي للإعلام سنة 1990، عبّد الطريق أمام ميلاد مشهد صحفي جديد اتسم بالتنوع، حيث سجلت الساحة الإعلامية الوطنية صدور أكثر من مائتي صحيفة ورقية في ظرف زمني لم يتجاوز العام الواحد.
وواصل الأستاذ زغلامي رصد التحولات اللاحقة، مبرزا أهمية قانون الإعلام العضوي لعام 2012 في تعزيز المكتسبات الديمقراطية، وتحديدا في قطاع السمعي البصري، وهو المسار الذي تدعم بقانون 2014 الذي فتح المجال رسميا أمام إنشاء قنوات تلفزيونية خاصة ذات طابع عام، وتطرق الباحث إلى التعديل الدستوري لعام 2016 الذي ارتقى بمكانة حرية الإعلام في الهرم التشريعي الجزائري.
وفي قراءته للمرحلة الراهنة، أفرد زغلاني حيزا هاما لدستور 2020 الذي جاء استجابة لتطلعات الشعب الجزائري عام 2019، وأشار إلى أن هذه الوثيقة الدستورية تميزت بتخصيص المادة 54 لتكريس حرية التعبير والصحافة صراحة وبضمانات دستورية غير مسبوقة، وتوج هذا المسار الإصلاحي بصدور قانونين عضويين جديدين في عام 2023، يتعلق الأول بتنظيم الصحافة المكتوبة والإلكترونية، ويختص الثاني بالصحافة السمعية البصرية. وتهدف هذه النصوص التشريعية الحديثة إلى هيكلة القطاع، وتأسيس سلطات ضبط تتمتع بالاستقلالية التامة، وتشكيل مجلس لآداب وأخلاقيات المهنة، وهذا بغرض حماية الممارسة الإعلامية من أي ضغوطات أو تدخلات قد تمارسها الدوائر السياسية أو جماعات المال والنفوذ.
وخلص الأستاذ زغلامي في دراسته إلى نتيجة جوهرية تؤكد أن مفهوم حرية التعبير لم يعد، بأي شكل من الأشكال، حكرا على المنظومة الغربية ومفصلا على مقاسها، وتمتلك كل دولة سيادة كاملة وحقا مشروعا في تكييف هذا المفهوم بما يتماشى مع خصوصياتها التاريخية، الثقافية، ومصالحها الوطنية العليا.
وفي السياق، وجه زغلامي انتقادات موضوعية وصريحة لتقارير وتصنيفات بعض المنظمات غير الحكومية الغربية، على غرار منظمة «مراسلون بلا حدود» (RSF)، وأوضح أن هذه الجهات تفتقر – في كثير من الأحيان – إلى الموضوعية والحياد، وتتعمد تجاهل السياقات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الخاصة بالدول النامية، والجزائر تحديدا.
للإشارة، يشكل هذا الكتاب المرجعي، أداة علمية هامة لفهم تعقيدات حرية التعبير في عالم سريع التغير، بعيدا عن القوالب الجاهزة والرؤى الأحادية والمتحيزة التي تسعى بعض الدوائر لفرضها كنموذج نمطي على مستوى العالم.





