صدر مؤخرا عن دار “كوكب العلوم للطباعة والتوزيع والنشر”، كتاب مهم في المصطلح اللساني للدكتورة أنساعد حليمة السعدية الموسوم بــ«المصطلح اللسانيّ العربيّ.. دراسة في ترجمة المعايير النصيّة”، تحاول صاحبته إماطة اللثام عن قضايا شائكة مرتبطة بالمصطلح وعلاقاتها بالمفاهيم الوافدة إلينا وآثارها في بناء الدرس اللساني العربي.
ويحتوي الكتاب على جانبين متكاملين، يقوم أوّلهما على تتبع نشأة المصطلح اللساني النصي في الفكر الغربي لدى أبرز مؤسسي هذا العلم، ثم البحث في امتداداته وجذوره داخل التراث العربي البلاغي والنقدي ودراسات الإعجاز والقرآن الكريم، وصولا إلى دراسة واقع المصطلح في الكتابات العربية المعاصرة وأسباب تعدد صياغاته واختلاف استعمالاته.
أمّا الجانب الثاني، فيقف عند مظاهر فوضى الاستعمال واضطراب المصطلحات في المؤلفات والترجمات العربية، محاولا تقديم رؤية منهجية لضبط المصطلح اللسانيّ النصيّ في العربيّة اعتمادا على أسس علمية ومعايير اصطلاحية دقيقة أقرّتها الهيئات اللغوية والمؤسسات المتخصّصة.
وتحاول الدكتورة حليمة السعدية أنساعد من خلال هذا الكتاب، الكشف عن مظاهر التباين والاضطراب التي صاحبت ترجمة مفاهيم لسانيات النص وتوظيفها لدى الباحثين العرب، بالانطلاق من قراءة نقدية في أبرز الترجمات والكتابات التأسيسية التي أسهمت في نقل هذا الحقل اللساني من البيئة الغربية إلى الثقافة العربية، سعيا إلى فهم أسباب الاختلاف المصطلحي وآثاره في الدرس اللّساني العربي، كما تطمح من خلال هذا الكتاب إلى الإسهام في تقنين المصطلح اللساني النصي وتوحيد استعماله، بما يخدم الباحث العربي ويدعم مسار الدراسات اللسانية الحديثة في الثقافة العربية، من أجل معالجة قضية علمية دقيقة تتصل بإشكالية المصطلح اللساني وآليات نقله إلى العربية، من خلال تتبع الترجمات العربية للمعايير السبعة النصية عند روبرت دي بوجراند وفولفغانغ دريسلر، والكشف عن مظاهر التعدد الاصطلاحي وأسبابه وآثاره المعرفية والمنهجية.
وقد وُفقت الباحثة في مقاربة هذا الموضوع برؤية علمية رصينة، جمعت بين الدقة المنهجية والاستقراء الواسع للنصوص والدراسات العربية، مع حرص واضح على تحليل الخلفيات المعرفية التي أفرزت هذا التعدد، وربطها بإشكالات الترجمة والتلقي والتفاعل مع المنجز اللساني الغربي، وتتجاوز قيمة هذا العمل مسألة رصد الاختلافات الاصطلاحية، بل تتجاوزه إلى الإسهام في ترشيد استعمال المصطلح اللساني العربي، والتنبيه إلى أهمية توحيد المفاهيم خدمة للبحث العلمي، وتيسيرا للتواصل المعرفي بين الباحثين والدارسين، بهدف ابراز الحاجة الملحة إلى مشروع عربي جاد لتوحيد المصطلحات اللسانية، يقوم على التعاون بين الباحثين والمؤسسات العلمية، ويراعي خصوصية اللغة العربية من جهة، ومتطلبات الدقة العلمية والمنهجية الحديثة من جهة أخرى.
وحسب مؤلفة الكتاب، فإن هذا العمل يعد إضافة نوعية للمكتبة اللّسانية العربية، يرقى إلى اهتمام الباحثين والمهتمين بالدراسات النّصية والمصطلحية، باعتباره أمرا بالغ الأهمية والشغل الشاغل لدى العلماء والمختصين للإحاطة والإلمام بجوانب العلوم وفحواها، لارتباطه بالمصطلحات وفهم العلوم وإدراكها، لاسيما تلك المصطلحات الحاملة للتصورات والمبادئ، من أجل معرفة الحدود الفاصلة بينه وبين مختلف العلوم والمعارف.






