المصداقيـــة والتمحيـص الأكاديمـي النزيـــه شـــروط لا غنـــى عنهــا في التأليـف التاريخــي
الفضــاء الرقمـي لـه مخاطـر والمؤرخــون مدعــوون للتصـدي لحمـلات “التاريــــخ المزيـــف”
يلعب الكتاب التاريخي دورا محوريا في توثيق الذاكرة الوطنية وصيانة معالم الهوية، حيث يتجاوز مجرد سرد الأحداث الماضية ليؤسس لوعي جماعي يعتمد على المصادر والشهادات الموثقة، ومع تواصل فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، تبرز الإصدارات التاريخية كرافد معرفي أساسي لتقريب حقائق الثورة التحريرية المجيدة والمحطات الفاصلة في تاريخ الأمة من الأجيال الجديدة.
في هذا الإطار، أكد الباحث في التاريخ، رشيد قاسيمي، على المسؤولية الجسيمة الملقاة على عاتق الباحثين والمؤرخين في التصدي لمحاولات التزييف، وحماية الذاكرة الوطنية في عصر الرقمنة والحرب الإعلامية، وأوضح ـ في تصريح لـ«الشعب” أن للكتاب، مهما اختلفت طبيعته وتنوّعت رسائله، مكانة تحددها الأهداف التي يصبو الكاتب إلى تحقيقها، سواء كانت أدبية أو علمية أو ثقافية. وشدّد على أن الكاتب الناجح هو من يمتلك القدرة على التوفيق بين هذه الأبعاد، بما ينسجم مع بيئته الثقافية، ويحافظ على القيم والثوابت الاجتماعية، ويتبنى الفكر الإصلاحي المتوافق مع متطلبات محيطه.
وأبرز محدثنا أهمية الكتب التاريخية مقارنة بغيرها من الإصدارات، لدورها الفعّال في ترسيخ مقومات الشخصية الوطنية وتعزيز الثوابت المرتبطة بالدين، واللغة، والعادات، والرموز الوطنية، واستشهد – في هذا السياق – بمقولة المفكر الجزائري الراحل مولود قاسم نايت بلقاسم: “التاريخ هو الأمم، والبداية والنهاية وبيت القصيد والزبدة من كل ثقافة”، مؤكدا أن أهمية التاريخ تتجاوز سرد الأمجاد واستخلاص العبر، لتشمل غرس روح الاعتماد على النفس، وتعميق الوعي بالذات، وتكريس الاعتزاز بالانتماء للوطن.
ورغم إقراره بدور الأجناس الأدبية الأخرى كالرواية والشعر في توثيق الذاكرة الجماعية، إلا أن قاسيمي أكد أنها لا ترقى إلى أداء المهمة الدقيقة التي يضطلع بها الكتاب التاريخي الذي يستمد قوته ومصداقيته من الاستدلال الصارم بالمصادر والمراجع الموثقة، وأضاف أن الكتابة التاريخية لا يمكن أن تنفصل عن أحداث الماضي، لأنها اللبنة التي تأسست عليها الحضارات البشرية المتعاقبة، مشددا على حتمية توعية الأجيال الصاعدة بضرورة العودة إلى التاريخ لأخذ العبرة وحفظ الأمانة، انطلاقا من مبدأ “لا مستقبل لمن لا تاريخ له”.
الإصـــدارات التاريخيـــة في “سيـــلا”.. استعـــادة للذاكـــرة
وفي تقييمه للحضور القوي للإصدارات التاريخية في صالون الجزائر الدولي للكتاب، أوضح قاسيمي أن الشعب الجزائري، بفضل تجذّره التاريخي، ظلّ يقاوم ببسالة كل محاولات الغزو وطمس الهوية. وذكر في هذا الصدد بالممارسات البشعة للاحتلال الاستيطاني الفرنسي الذي سخّر آلياته لتزييف تاريخ الأمة ونشر الأمية والجهل في أوساط الجزائريين.
وأشار قاسيمي إلى أنه مع بزوغ فجر الاستقلال، برزت نخبة من الشخصيات الوطنية، ضمّت باحثين ومؤرخين، أخذت على عاتقها مهمة إصلاح ما أفسده الاستعمار الفرنسي، واعتبر أن الكثافة التي تشهدها المكتبات والمراكز الثقافية والمعارض المحلية والدولية من حيث الإصدارات التاريخية، إضافة إلى كثرة الملتقيات والندوات المتخصّصة، هي خير دليل على وعي الأمة بأهمية تاريخها وحرصها الشديد على صون ذاكرتها.
وشدّد قاسيمي على ضرورة توفر شروط منهجية وأخلاقية في مؤلف الكتاب التاريخي، يتصدّرها الالتزام بالمصداقية، وتوفير مادة علمية رصينة تستند إلى المصادر الأولية والمراجع، وتخضع للتمحيص الأكاديمي النزيه. ولم يستبعد دور الباحثين العصاميين في إثراء هذا الكنز المعرفي، شريطة التزامهم الصارم بأسس البحث العلمي وقواعد التوثيق.
ويرى محدثنا أن مهمة المؤرخ تظلّ الأصعب مقارنة بالأديب أو الشاعر، لأن التاريخ “شهادة موثقة تستوجب الاستناد إلى أرشيف وصحف وأدلة ملموسة”. وأوضح أن هذه المادة المعرفية، عند تداولها بين فئات المجتمع، تتحول إلى أرضية للنقاش البناء والنقد الموضوعي، وهو ما يتيح مراجعة المعطيات وتنقيحها للوصول تدريجيا إلى الحقيقة التاريخية، فالتاريخ “ليس نصا مقدسا، بل عمل علمي مفتوح على التمحيص الدائم”.
مسؤوليــة حمايــــة الذاكـــــرة
فيما يخصّ طرق تجديد قراءة الذاكرة الوطنية وتقديم الثورة للأجيال الجديدة بعيدا عن المقاربات المناسباتية، أوضح قاسيمي أن الإصدارات التاريخية المتعلقة بالثورة الجزائرية، رغم كثرتها، تختلف في مناهجها وطرق تناولها للأحداث وفقا للزمان والمكان، وأكد أن الذاكرة الوطنية تشكّل “كنزا يختزن معالم الهوية”، مما يستوجب بذل جهود حثيثة لتوثيقها وجعلها في متناول عامة الشعب، لإخراج المعرفة التاريخية من أسوار الأوساط الأكاديمية المغلقة.
ووصف محدثنا كتابة التاريخ بأنها “من أعظم المسؤوليات”، معتبرا أنها “شهادة أمام الله والوطن”، وألحّ على ضرورة تحلي المؤرخ بالصدق، والإخلاص، والأمانة العلمية المطلقة، لا سيما في ظلّ التحديات التي يفرضها عصر الرقمنة، وانتشار منصات التواصل الاجتماعي، واستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتصاعد حدة الحروب الإعلامية.
وحذّر قاسيمي من المخاطر المترتبة على سهولة تداول المعلومات في الفضاء الرقمي، فهي يمكن أن تضع الباحثين أمام تحدي التصدي للحملات الدعائية الساعية لترويج “التاريخ المزيف”، وخلص الباحث في التاريخ إلى التأكيد على أن مواجهة هذه التحديات وحماية الذاكرة الوطنية تتطلّب من الباحثين العودة المستمرة إلى المصادر الأصلية، والتحقّق الدقيق من الوثائق، وتجنب الانسياق خلف الروايات الواهية التي تفتقر إلى السند، لضمان نقل الأمانة التاريخية للأجيال القادمة بكل نزاهة وتجرد.




