في ليلة السادس والعشرين من ديسمبر/كانون الأول 2024، عند الساعة العاشرة مساء، التقت عينا منال حميد بعيني زوجها الأسير عبد الكريم كامل حميد، عبر مكالمة فيديو قصيرة.
كانت تلك المرة الأولى التي تراه فيها بعد شهرين كاملين من الفراق القسري. طمأنها، وضحك مع أبنائه، وقال لهم بصوت يملؤه الدفء: «أنا بخير وتمام، اطمنوا، كل إشي تمام».
لم تكن تعلم أن تلك الكلمات ستكون آخر ما تسمعه من صوته لفترة طويلة، وأن تلك الدقائق القليلة ستتحوّل إلى غصّة دائمة في قلبها وقلوب أطفالها.
بعد تلك المكالمة بساعات معدودة، وتحديدا عند السادسة صباحا، وصل الخبر الصاعق عبر تطبيق «تيليغرام»: اقتحام مستشفى كمال عدوان.
تستعيد زوجته تلك اللحظات المؤلمة قائلة:
«عرفنا إنهم أخذوهم وحطّوهم في مدرسة، وبلّشوا يطلّعوا الشباب. وصلني خبر من سلفي، من مستوصف الشيخ رضوان، إنهم بخير وإنه رح يتم الإفراج عنهم، لكن ظلّت الغصّة في قلبي، حتى الساعة السادسة مساء، لما بلّغونا رسميا: خلص، أخذوا كل الموجودين. كانوا نحو 200 شخص، أخذوهم وأسروا عبد».
وتضيف: «عبد بالنسبة إلنا كل حياتنا، إلي وللولاد. هو الأب والأخ والسند وكل إشي، وعشان هيك فراقه صعب علينا كثير».
خلّف غيابه فراغا كبيرا لا يمكن وصفه، وعبئا ثقيلا اضطرت زوجته إلى تحمّله وحدها، وسط ظروف إنسانية كارثية.
ومنذ لحظة اعتقاله، بدأت الأخبار المتفرّقة والمؤلمة تتسرّب إلى العائلة. ووفقا للمعلومات التي وصلتها، أُصيب عبد بمرضَي السكري وارتفاع ضغط الدم، في ظل ما يتعرض له المعتقلون من ضرب مبرح وتعذيب قاسٍ. والأشد إيلاما أن العائلة علمت بأنه فقد ما يقارب نصف وزنه نتيجة ما تعرّض له من تنكيل.
وكان آخر خبر أو بصيص أمل وصل إلى العائلة في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، ومنذ ذلك الحين انقطعت أخباره تماما، لتدخل الأسرة في دوامة من القلق المستمر والانتظار القاسي، من دون أن تعرف مصيره أو تطمئن إلى سلامته.
وفي خضمّ هذه المأساة، تبرز حكاية أخرى موجعة: طفل وُلد ونشأ بعيدا عن عيني والده، الذي لم تتح له فرصة رؤيته أو معرفة تفاصيل حياته.
تقول زوجته، وقد اغرورقت عيناها بالدموع:
«عبد عنده طفل الآن، عمره سنة وأربعة أشهر، وهو ما بيعرف أبدا إنه انولد له هالولد. طفلي بتربّى من دون وجود أبوه.. وإن شاء الله يطلع ويربّيه بعزّه ودلاله. هذا الطفل تعرّض لموقفين صعبين خلال غياب أبوه، وكنت طول الوقت أقول في نفسي: يا ريتك يا عبد موجود».
وتضيف بحرقة، وهي تشاهد مشاهد التنكيل والإهانة التي يتعرض لها الأسرى:
«كم بتوجّع قلوبنا هاي الفيديوهات، قديش بنهانوا وبتعذّبوا، وفش حدا سائل عنهم!».
وتختتم زوجة الأسير عبد الكريم شهادتها بنداء يحمل أسئلة موجعة، تعكس حجم عجزها أمام استمرار غياب زوجها وغموض مصيره:
«هم أسرى حرب، والحرب انتهت، ليش ما يطلّعوهم؟ ليش ما يكون في حل جذري إلهم؟ ليش يظلّوا مرهونين؟ وعلى أي أساس، وشو السبب؟».
أسئلة تختصر وجع زوجة لا تطلب سوى معرفة مصير زوجها والاطمئنان إلى سلامته، وطفل ينتظر أن يرى أباه للمرة الأولى، ويتعرّف إليه، ويعيش معه ما تبقّى من طفولته.
تقرير مكتب: إعلام الأسرى





