ليست هذه النصوص مجرّد كلمات تُكتب على هامش المأساة، بل شهادات إنسانية تنبثق من قلب غزة، حيث يتجاور الموت والحياة، ويتحوّل البيت إلى ذاكرة، والمفتاح إلى وعد بالعودة، والطفولة إلى عمر مثقل بأسئلة الخوف والفقد والنجاة.
في العدد الثامن من «أصوات من تحت الركام»، تتعدّد الأصوات وتتوحّد البوصلة؛ من وجع النزوح الذي يختصر أعواما من العمر في حقيبة، إلى جيل أُجبر على النضج قبل أوانه، ومن تفاصيل الحياة اليومية التي غدت
معركة لتأمين الخبز والماء والأمان، إلى الشعر الذي يستردّ للإنسان حقّه في الحلم، وللكلمة قدرتها على مقاومة العدم.
هنا، لا تقف الكتابة عند حدود الرثاء، ولا تستسلم لإغراء الألم؛ إنها تحوّل الوجع إلى معرفة، والذاكرة إلى فعل مقاومة، والشهادة إلى مسؤولية أخلاقية تجاه الإنسان والتاريخ. وبين قصائد الحب والأم والوطن، والتأملات النقدية، والنصوص التي تستنطق الخراب، تتجلّى غزة بوصفها أكثر من جغرافيا محاصرة؛ إنها امتحان لضمير العالم، ومرآة لانكساراته، ودليل على أن الإنسان يستطيع، حتى حين تُسلب منه شروط الحياة، أن
يحتفظ بصوته.
وتتّسع هذه الأصوات لتلامس فلسطين والجزائر، في علاقة تتجاوز حدود التضامن العابر إلى وجدان مشترك تشكّل من الذاكرة والنضال والكرامة والأمل.
إنها نصوص لا تطلب من القارئ أن يرى الركام وحده، بل أن ينصت إلى ما ينبض تحته؛ فثمة شعب يكتب كي لا يُمحى، ويحلم كي لا يُهزم، ويتمسّك بالحياة لأنّها حقّه الأول والأخير.
فما دام الصوت قادرا على اختراق الصمت، فلن يكون الركام خاتمة الحكاية، ولن تكون الذاكرة مقبرة للأحلام، بل بدايتها الجديدة.




