الشّعــــر ديوان العــــرب وحضـــوره مستمـــر بتجـدّد أدواتـــه
القصيـــدة القريبـة مـــن النّــــاس أقــــدر علـى عبـور الحـدود
يتحدّث بروح شاعر مرهف الحس، ويرصد متغيرات الحياة الإبداعية وتفاصيل المشهد الثقافي بعين ثاقبة لإعلامي متمرّس، يحدّثك تارة عن المغامرة الشعرية العذبة، وتارة أخرى عن تحديات القصيدة في عصر الصورة والسرعة، ليكشف كيف سحرته الجزائر الأيقونة بإرثها الحضاري ودفئها الإنساني، مؤكدا أن الشعر ديوان العرب وحضوره مستمر بتجدد أدواته، وأن القصيدة القريبة من الناس أقدر على عبور الحدود، إنه الشاعر السعودي المتميز محمد الحمادي.
– الشعب: في البداية، هل يمكن أن تحدثنا عن تجربتك الإبداعية ليتعرف عليك القارئ بشكل أفضل؟
الشاعر السعودي محمد الحمادي: أقدّم نفسي شاعرا في المقام الأول، فقد بدأت كتابة الشعر في سن مبكرة، وتحديدا في الحادية عشرة من عمري. وكانت الشرارة الأولى حين وقع بين يدي ديوان الشاعر التونسي أبي القاسم الشابي، فألهمني أسلوبه وبدأت انطلاقتي الأولى في عالم القصيدة. وقد أصدرت حتى الآن عشر دواوين شعرية بالفصحى، كما أصدرت مؤخرا كتابا في السيرة الذاتية، رصدت فيه باختصار تجاربي الممتدة بين الشعر، والطفولة، والحياة، والسينما، والإعلام. وبإيجاز، أعرف نفسي كشخصية ثقافية متعددة الاهتمامات، لأنني أجمع بين الشعر، والسينما والإخراج «خاصة الأفلام الوثائقية»، والتقديم التلفزيوني والإذاعي لعدد من البرامج والأمسيات الحوارية. وعلى صعيد آخر، شاركت في حوارات ونقاشات متنوعة ضمن معظم معارض الكتب العربية والدولية. باختصار، ستجدني دائما حاضرا ومتفاعلا في فضاءات الثقافة المتنوعة.
– في ضوء مشاركاتك المتنوعة في عدة بلدان عربية، ماذا جذبك تحديدا في صالون الجزائر الدولي للكتاب في طبعته التاسعة والعشرين؟
أعتبر صالون الجزائر الدولي للكتاب واحدا من أبرز المحافل الثقافية على مستوى الوطن العربي. وقد فاجأني كثيرا الحضور الكثيف والتفاعل الملحوظ من طرف المثقفين والقراء حين تجولت بين أروقة المعرض، مما عكس بوضوح مكانة الكتاب وأهميته في حياة الإنسان الجزائري، وأستطيع تأكيد هذا الانطباع من خلال إدارتي لعدد من الندوات في دورات سابقة، حيث كان الجمهور الجزائري يناقش ويطرح إشكاليات تدل على وعي وخلفية ثقافية رصينة. ومن الجوانب التي لفتت نظري كذلك في هذه الدورة، هو حضور الطفل جنبا إلى جنب مع عائلته، مما يحول المعرض إلى فضاء ثقافي أسري. ورغم أن شعار هذه الدورة هو «الغد بين دفتي كتاب»، إلا أنني أرى أن ما يقدمه هذا الصالون يتجاوز بكثير دفتي كتاب، لأنه يجمع شتات الثقافة من خلال أمسيات متنوعة، وندوات متخصصة، ولقاءات ثقافية ثرية. إن تقريب المسافة بين المؤلف والقارئ يكسر الحواجز التقليدية بينهما، ويتيح فرصة حقيقية ومباشرة للتبادل المعرفي.
– ماذا تعرف عن المشهد الأدبي الجزائري؟ وبالتحديد عن الشعر، والرواية، وحركة الإبداع عموما في الجزائر؟
رغم المسافة الجغرافية، فإن الجسور الثقافية تقرب المسافات وتذيب الحدود. بالنسبة لي، كان لي شغف بالقراءة للروائية الجزائرية «فضيلة الفاروق»، فقد تابعت إنتاجها الأدبي عن كثب. وأغتنم هذه الفرصة للإشارة إلى الكاتبة «بصفتها صوتا أدبيا وصحفيا نسويا متميزاً في المشهد الثقافي الجزائري.. فيما يخص «فضيلة الفاروق»، أتذكر أن بعض رواياتها في تلك الفترة اتسمت بالجرأة السردية وأثارت جدلا ثقافيا واسعا، وقد وصلت أصداء هذه الأعمال إلى المملكة العربية السعودية بشكل واضح وجلي. وهذا ما دفعني لمتابعة تجربتها الروائية باهتمام.صحيح أنّني ربما لم أبحر بعد في كل تفاصيل المشهد الأدبي الجزائري، لكن أسماء لامعة مثل أحلام مستغانمي ترسخ في الذاكرة كنماذج مشرقة للإبداع الجزائري، وتدل على حيوية وعمق هذا الحراك الثقافي.
– يتردّد كثيرا أن الشعر العربي يمر اليوم بأزمة متعددة الأوجه، من بينها أزمة لغة، وأزمة خيال، وأزمة إبداع. إلى أي مدى تتفق مع هذا الطرح؟ وهل هناك أزمة حقيقية في الشعر العربي في الوقت الحالي؟
لا أعتقد أن هناك أزمة في الشعر العربي، لأن الشعر بخير وما زال حاضرا بقوة، لكن ما تغير هو «أدوات الاستهلاك الثقافي». يذكر أنه في التسعينيات وما قبلها، كان الكتاب هو الفضاء شبه الوحيد للمعرفة والقراءة، وبالتالي كان ديوان الشعر حاضرا بقوة لدى قرائه. أما في الوقت الحالي، أصبح الجمهور يميل إلى السرعة، وتعودنا على المحتوى السريع والمقتطفات القصيرة التي لا تتجاوز بضع ثوان، فما بالك بقراءة كتاب يتجاوز مائتي أو ثلاثمائة صفحة! وهنا بالتحديد، أرى أن للشعر فرصة في توظيف «الصورة» و»الصوت». يجب على الشاعر أن يكون مواكبا لروح العصر، ومتفاعلا مع ثقافة الصورة والصوت السائدة.
لقد برزت منصات جديدة مثل «البودكاست» والحوارات المسموعة التي نستمع إليها أثناء التنقل أو في أوقات الفراغ، كأوعية عصرية جديدة لحمل الشعر ونقله. ولا أبالغ إذ قلت أن الشعر بخير، ورغم أنه قد يمر بفترات من التقلبات كأي فن، إلا أنه يظل «ديوان العرب» وحاضرا بقوة في المشهد الثقافي، وإن اختلفت أشكال تقديمه.
– هل يستطيع الشعر أن يظل شاهدا أمينا على التحولات التاريخية والسياسية، دون أن يتحول إلى خطاب مباشر أو شعاراتي؟
بالتأكيد، لأن الشعر كما قلت هو «ديوان العرب»، وقد اضطلع تاريخيا بدور الرصد والتوثيق. لكنني ألاحظ أن شعراء المرحلة الحالية يميلون غالبا إلى «شعر الذات» والانشغال باللغة المحلقة والمجازية، أكثر من ميلهم لتوثيق الأحداث أو أداء دور الشاهد. ومع ذلك، لا يزال هناك من يحملون رسائل ويوظفون القصيدة بذكاء لنقلها. ومن منطلقي الشخصي، أؤمن دائما بأن القصيدة يجب أن تظل قريبة من الجمهور، وسلسة في بنائها، بحيث يستطيع الجميع استيعابها والتفاعل معها. لا ينبغي أن نكتب للنخبة فقط، صحيح أن النخبة موجودة ومهمة، لكن التركيز يجب أن يكون على الكتابة للناس عامة، لأن الشعر في جوهره رسالة إنسانية واسعة تتجاوز الدوائر الضيقة.
^ ألا ترون أن القصيدة، لكي يذيع صيتها وتصل إلى آفاق أوسع، تحتاج إلى أن تلحن؟ أليس اللحن هو ما يمنح القصيدة روحا و أجنحة الانتشار؟
^^ بلا شك، لقد ساهمت الأغنية بشكل فاعل في انتشار القصيدة، فهناك أسماء شعرية لم تعرف إلا من خلال الغناء، مما يثبت الدور الكبير للحن في تعميم النص. لكننا نلاحظ، وللأسف، بروز ظاهرة الأغنيات ذات كلمات ليست راقية، والتي تحقق نجاحا واسعا بفضل اللحن والموسيقى فقط، متجاهلة قيمة النص الأدبي. في المقابل، هناك نصوص شعرية رصينة، كتبت بلغة عميقة وقوية، لم تأخذ حقها من الانتشار والاحتفاء، بينما تتصدر أغنيات أخرى تعاني من خلل عروضي ولغوي فادح، لمجرد أنها غنيت بصوت فنان مشهور. وهذا يؤكد أن شهرة الأداء قد تطغى أحيانا على جودة المضمون، وهو تحد حقيقي يواجه الشعر الفصيح اليوم.
^ كلمة أخيرة، بمناسبة احتفال الجزائر بالذكرى الثانية والسبعين لثورتها التحريرية المجيدة، ماذا تقول للجزائر وشعبها، ولجمهور القراء؟
^^ كل عام والجزائر بخير، ونسعد دائما بأن نراها مزدهرة ومتميزة. منذ الوهلة الأولى لدخولي الجزائر، بدت لي ساحرة تماما كما تخيلتها، وكما عرفت عن شعبها الأبي. وخلال هذه الأيام القليلة التي قضيتها هنا، لامست الابتسامة على الوجوه، وحظيت بترحاب كبير، وشعرت بطاقة المكان وجمال هذه الدولة الرائعة بتنوعها وتضاريسها الخلابة. إن الجزائر بحق أيقونة من أيقونات وطننا العربي، لأنها تجمع بين التنوع الطبيعي، والجمال الأخاذ، والإرث الثقافي العريق. وبصفتها زيارتي الأولى، أستطيع أن أقول بكل صدق، لقد سحرتني الجزائر بكل ما تحمله من إرث حضاري ودفء إنساني، وأتمنى لها دوام الازدهار والتقدم، وللشعب الجزائري كل التوفيق والنجاح.






