يقدّم الباحث رؤوف مشروّم في كتابه «الصراع الأدبي الثقافي في المعارك الأدبية الحديثة.. نماذج مختارة» قراءة في التحولات الفكرية والأدبية التي شهدها العالم العربي خلال النصف الأول من القرن العشرين، متوقفا عند العوامل التي أسهمت في تشكل المعارك الأدبية، والخلفيات الثقافية والفكرية التي غذّت الاختلاف بين أنصار المحافظة على الموروث ودعاة التجديد.
ويأتي الكتاب، الصادر في طبعته الأولى سنة 2026، في شكل دراسة تتناول الصراع الأدبي والثقافي بوصفه ظاهرة ارتبطت بتحولات الصحافة المكتوبة وانتعاش الحياة الفكرية والأدبية، وما أتاحته تلك التحولات من فضاءات للنقاش وتبادل الأفكار وتباين المواقف. ويختار المؤلف نماذج من المعارك الأدبية الحديثة لتتبع سياقاتها، والوقوف عند ما عكسته من اختلاف في الرؤى والمناهج والتصورات الثقافية.
ويعود مشروّم، في تناوله لهذه الظاهرة، إلى النصف الأول من القرن العشرين، وهي مرحلة شهدت انتشار الصحافة المكتوبة، من مجلات وجرائد، وتحولها إلى فضاء أساسي لاحتضان النقاشات الفكرية والأدبية. فقد أسهمت الصحافة في إثراء الحقول الثقافية، ووفرت للكتاب والمثقفين مجالا لعرض أفكارهم والدفاع عن مواقفهم، كما أتاحت تفاعل التيارات الفكرية واختلاف مرجعياتها وتوجهاتها.
ويخصّص المؤلف حيزا من دراسته للمكانة التي احتلتها مصر في المشهد الثقافي العربي خلال تلك المرحلة، باعتبارها مركزا للإشعاع الأدبي والفكري في المشرق، فقد تجاوز تأثير الصحافة المصرية حدودها الجغرافية، وامتد إلى مختلف البلدان العربية، من بلاد الرافدين والمغرب العربي إلى الهند وباكستان وبلاد المهجر، فضلا عن السودان وليبيا ولبنان والشام وبلاد الجزيرة، بما أسهم في توسيع دوائر التواصل الثقافي وتداول الأفكار. ويربط الكتاب بين نشأة الصحافة وازدهار المعارك الأدبية من جهة، وظهور حركة الإصلاح والتجديد من جهة أخرى، مستحضرا جهود الإمام محمد عبده، ومحاولات الجمع بين التجديدين الديني والمدني، إلى جانب مواقف محمد رشيد رضا، ويرى المؤلف أن هذه التحولات مهدت لظهور ملامح صراع ثقافي بين اتجاهات مختلفة، اتسعت مساحته مع تنامي الاتصال بالغرب وتزايد تأثيره في الحياة الفكرية العربية والإسلامية.
وفي السياق، يتوقف مشروم عند أثر الاتصال بالغرب في تشكيل مواقف المثقفين، وما نتج عنه من تباين في النظر إلى التراث والوافد الثقافي. فقد انقسمت النخب، وفق التصور الذي يعرضه الكتاب، إلى فريقين، يدافع أولهما عن التراث ويحافظ على أسسه ومرجعياته، ويتعامل بحذر مع ما يأتي من الغرب، في حين يتجه الفريق الثاني إلى الإفادة من المنجز الغربي، وينظر إليه باعتباره نموذجا للتقدم الحضاري والثقافي.
ويبرز المؤلف أن الاختلاف بين الاتجاهين اتصل بأسئلة أوسع تتعلق بالهوية الثقافية، وموقع التراث في بناء الحاضر، وحدود الانفتاح على التجارب الأخرى. كما يعكس هذا الاختلاف تباينا في المرجعيات الفكرية والمناهج التي اعتمدها أصحاب كل اتجاه في قراءة التحولات التي عرفها المجتمع العربي.
ومن خلال هذه المقاربة، يضع الكتاب المعارك الأدبية الحديثة ضمن سياقها التاريخي والثقافي، متتبعا الصلة بين تطور وسائل النشر واتساع المجال العام من جهة، واحتدام النقاش حول قضايا الأدب والفكر من جهة أخرى؛ فالصحافة – كما يقدمها المؤلف – كانت فضاء ساهم في صناعة النقاش الثقافي، وإبراز الاختلافات بين المثقفين، وتحويلها إلى سجالات امتد تأثيرها إلى الحياة الأدبية والفكرية.
ويعيد «الصراع الأدبي الثقافي في المعارك الأدبية الحديثة.. نماذج مختارة» طرح أسئلة التجديد والمحافظة، وعلاقة الثقافة العربية بالمنجز الغربي، في مرحلة شكلت إحدى المحطات المؤثرة في تاريخ الفكر والأدب العربيين. كما يسلط الضوء على الدور الذي أدته الصحافة في احتضان تلك النقاشات، وتحويل الاختلافات الفكرية إلى معارك أدبية كشفت عن تعدد الاتجاهات وتباين التصورات بشأن مستقبل الثقافة العربية.
للإشارة، فإن مزية هذه الدراسة أنها بحثت في سبب اختفاء المعارك الأدبية – على الأقل في هيئتها الأولى – ومحاولة الكشف عن كواليس ذلك الاختفاء الذي أحال تلك المعارك إلى مناوشات افتراضية وتراشق بكلام لا يليق، وهو ما لا يرتقي – وفق الدراسة – إلى أن يصنف معركة أدبية بمقوماتها التي أفاض فيها البحث في جانبه النظري ثم التطبيقي.





