همس الأقلام يعوّض صليل السيوف ليشحذ الهمم ويصقل المواهب
حروب فكرية تكسر الجمود وتثري المكتبات.. إثراء إيجابي للرّصيد المعرفي
من قال إنّ رحى الحرب لا تندلع إلا على جبهات القتال الميدانية بالحديد والنار، ومن قال إن الأقلام والكلمات لا تشعل حروبا حامية الوطيس! إنها المعارك الأدبية التي تشحذ الهمم وتصقل المواهب. وفي هذا الإطار أعادت الدكتورة والشاعرة والأكاديمية السعودية دلال بنت بندر المالكي، خلال مشاركتها في صالون الجزائر الدولي للكتاب، قراءة مفهوم «المعارك الأدبية»، متتبعة جذورها وتحولاتها، مبرزة مفارقة لافتة تتمثل في معارك تثري المكتبات بدل أن تدمرها.
فضيلة بودريشاستضافت فعاليات صالون الجزائر الدولي للكتاب، الدكتورة والشاعرة والأكاديمية السعودية دلال بنت بندر المالكي، حيث أثارت ملفا مثيرا للنقاش، وجذابا من حيث الطرح يتعلق بـ «المعارك الأدبية» وما أكثرها في وطننا العربي.
في البداية اعتبرت الدكتورة دلال المالكي أن هذه التسمية تحمل مفردتين متناقضتين، فكيف لساحة يفترض أنها ملاذ للراحة والسكينة، ومصدر للهدوء النفسي عبر القراءة والاطلاع، أن تتحول إلى ميدان حرب؟ وأجابت الأكاديمية السعودية عن هذه المفارقة بالتأكيد أن الأدباء لا يعيشون حالة الانسجام المزعوم، بل هم في حالة حرب مستمرة، في حرب مع ذواتهم، مع أفكارهم، ومع معتقداتهم، وأحيانا مع البيئة المحيطة بهم.
وأشارت الدكتورة المالكي إلى أن هذا الصراع لم يولد اليوم، بل هو امتداد لتلك المفاخرات والمهاجات والخصومات القبلية القديمة، حيث كان الشاعر يجلد ذاته دفاعا عن قبيلته، قبل أن تتطور الأشكال وتلبس حلة جديدة مع ظهور الصحف والمجلات.
ومن أجل فهم جوهر هذه المعارك كما تصوره الدكتورة المالكي، قارنت الأكاديمية بين الحروب العسكرية والمعارك الأدبية من حيث «الحصاد» والنتائج. وأوضحت في هذا الإطار أن الحروب العسكرية تقاس نتائجها بالخسائر المادية والبشرية، لأن غزوات التاريخ شهدت تدمير المكتبات وإحراق الكتب وسرقة المخطوطات. أما في المعارك الأدبية، نجد أن النتيجة عكسية تماما، وفي الواقع الحصاد الحقيقي هو «إثراء المكتبات». وأشارت الدكتورة المالكي إلى أن تلك السجالات والردود والدراسات التي تنشر في الصحف والمجلات تتحول لاحقا إلى مؤلفات وكتب تضاف إلى الرصيد المعرفي للأمة. وكما أكدت أن الهدف الأسمى من هذه الحروب الفكرية ليس إقصاء الخصم، وإنما إخراج الأدب من رتابة التقديس والتكرار والجمود، وكسر تابوهات المسكوت عنه، وتحفيز المجتمع على التفكير في زوايا جديدة ربما كانت مغلفة بالصمت.
وتتتبع الدكتورة دلال المالكي تطور ساحة هذه المعارك بتطور أدوات التواصل البشري، وقالت أنها في البدء الميدان هو الفضاء الشفهي، ثم انتقلت لتدار رحاها بين المدن كما حدث في البصرة والكوفة، قبل أن تستحوذ الصحف والمجلات على هذا الفضاء المكاني، لتنتقل لاحقا إلى فضاءات الإنترنت والمنتديات، وصولا إلى العصر الحالي حيث أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي هي الميدان الأبرز. وأوضحت الدكتورة أن السياق السعودي لم تكن معاركه مجرد سجالات شكلية، بل كانت تعكس امتدادا جغرافيا وبيئيا واجتماعيا عميقا، من ريادة الحجاز في تأسيس الصحافة الأدبية، إلى المعارك الفكرية الكبرى في ثمانينيات القرن الماضي بين تيار الأصالة وتيار الحداثة.
وذكرت الدكتورة المالكي أن أبرز تجليات هذه المعارك في المشهد السعودي ما شهدته الساحة من هزات ثقافية عند صدور أعمال تحدت المفاهيم، مثل ديوان «معارك بلا راية» لغازي القصيبي الذي واجه موجات من الرقابة والجدل، أو النقاش الضخم الذي أثارته رواية «بنات الرياض» لرجاء الصانع، والتي تحولت بسبب رفض التيار المحافظ لها إلى ظاهرة ثقافية أفرزت ردودا أدبية متعددة. كما وقفت عند أسماء نقدية وفكرية كعبد الله الغذامي وتركي الحمد وعوض القني، الذين خاضوا معارك عميقة حول البنية السردية وتحولات الخطاب، محولين النقاش من مجرد ذوق أدبي إلى محاكمة فكرية للواقع.





