تناول المشاركون في ندوة «الفرقدان رائدا الإصلاح في الجزائر.. الإمامان ابن باديس والإبراهيمي»، المندرجة ضمن البرنامج الثقافي للطبعة التاسعة والعشرين لصالون الجزائر الدولي للكتاب، إسهامات الإمامين عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي في بناء المشروع الإصلاحي الجزائري، ودورهما في ترسيخ الوعي الديني واللغوي والوطني، ومواجهة محاولات الاستعمار الفرنسي طمس مقومات الشخصية الجزائرية.
تنوّعت المداخلات بين استحضار المسار الفكري والنضالي للإمامين، والمقارنة بين تجربتيهما، وصولا إلى قراءة وثائق أرشيفية فرنسية كشفت حجم المتابعة التي فرضتها الإدارة الاستعمارية على نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ورموزها.
استهلّ الدكتور محمد الهادي الحسني مداخلته بالتأكيد على المكانة الاستثنائية التي يحتلها الإمامان عبد الحميد بن باديس ومحمد البشير الإبراهيمي في تاريخ الجزائر الحديث، مستحضرا صورة «الفرقدين» باعتبارهما نجمين أضاءا الطريق أمام الجزائريين وسط ظروف الاستعمار، ومحاولاته المتواصلة لإضعاف المجتمع وتفكيك مقوماته.
وتوقّف المتدخل عند اختلاف أدوار الإمامين وتكاملها، معتبرا أن قراءة تجربتهما لا ينبغي أن تنحصر في الجانب الديني أو التعليمي، بل يتعين النظر إليها باعتبارها مشروعا متكاملا لإعادة بناء الإنسان الجزائري، واستعادة ثقته بهويته وقدرته على الفعل والتغيير.
وفي هذا السياق، أبرز الدور الذي اضطلع به ابن باديس في تأسيس الوعي الإصلاحي، من خلال التعليم والتربية وإصلاح العقيدة وتوجيه المجتمع، مشيرا إلى أن نشاطه لم يكن جهدا فرديا معزولا، وإنما انطلق تدريجيا نحو بناء عمل جماعي منظم، تُوّج بتأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين سنة 1931، التي شكّلت إطارا لتوسيع المشروع الإصلاحي وتوحيد الجهود.
كما استحضر مكانة الإبراهيمي في مواصلة هذا المسار وتطويره، خاصة من خلال قدراته البيانية والأدبية، ونشاطه الفكري والصحفي، ودوره في الدفاع عن اللغة العربية والهوية الوطنية، إلى جانب حضوره في التعريف بالقضية الجزائرية ومساندة تطلعات الشعب إلى التحرر.
ولم يغفل الحسني الإشارة إلى الظروف الاستعمارية التي أحاطت بنشاط الرجلين، مؤكّدا أن مقاومة الاستعمار لم تكن محصورة في المواجهة المباشرة، بل بدأت ببناء الإنسان وتحصينه بالعلم والوعي، وترسيخ روح التضامن والوحدة، وهي القيم التي أسهمت في تهيئة المجتمع لمراحل النضال الوطني اللاحقة.
مشـــروع إصلاحي متكامل
من جهته، اختار رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، الدكتور عبد الحليم قابة، تقديم قراءة مقارنة لتجربتي الإمامين، انطلاقا من قناعة مفادها أن دراسة أوجه التشابه والاختلاف بينهما تفتح آفاقا جديدة للبحث، وتسمح بفهم أعمق لطبيعة المشروع الإصلاحي الذي أسهم كلاهما في بنائه.
وأكّد أن ابن باديس والإبراهيمي اتفقا على الغايات الكبرى، وفي مقدمتها خدمة الإسلام والجزائر واللغة العربية، والدفاع عن مقومات الأمة، رغم اختلاف بعض الوسائل والاهتمامات التي ميزت تجربة كل واحد منهما. واعتبر أن هذا التوافق كان من أبرز أسباب نجاح المشروع، لأن العمل الإصلاحي لا يمكن أن ينهض على جهود فرد واحد، وإنما يحتاج إلى تكامل الطاقات وتوزيع الأدوار.
وفي الجانب العلمي والتعليمي، أوضح قابة أنّ الإمامين اهتما بحفظ القرآن الكريم وتحصيل العلم منذ الصغر، وارتبط مسارهما بالتكوين العلمي، مع بروز ابن باديس في مجال التعليم والتفسير وإصلاح العقائد، حيث جعل القرآن الكريم محورا أساسيا في مشروعه، وخصّص سنوات طويلة لتفسيره وتوجيه المجتمع من خلاله.
أما الإبراهيمي، فقد تميّز باهتمامه الواسع باللغة العربية والبيان والبلاغة، إلى جانب قدرته على مخاطبة المجتمع وتشخيص واقعه، وهو ما جعله يؤكّد أن خدمة الأمّة تستوجب معرفة أحوالها واتجاهاتها واستعداداتها، قبل الإقدام على أي مشروع إصلاحي.
وتوقّف المتحدّث عند الأهمية التي منحها الرجلان للتعليم المنظم، مستحضرا توسّع شبكة المدارس التابعة لجمعية العلماء في سنوات قليلة، باعتبارها دليلا على إيمانهما بأن بناء الإنسان يمثّل أساس كل نهضة، وأن المدرسة ليست مجرد فضاء لتلقين المعارف، بل مؤسسة لتكوين الأجيال وترسيخ الوعي الوطني.
كما أبرز اختلاف أساليب الإمامين في الخطاب الإصلاحي؛ إذ ركّز ابن باديس على إصلاح العقيدة والأفكار وربط المجتمع بالقرآن الكريم، بينما وظّف الإبراهيمي قوة البيان واللغة في مواجهة الخطاب الاستعماري والدفاع عن الشخصية الجزائرية.
واستشهد قابة بعبارة الإبراهيمي: «المدرسة هي جنة الدنيا والسجن آخرتها»، مستحضرا ما تحمله من دلالات حول أهمية التعليم في بناء الأمم، ومحذرا من أن إهمال المدرسة والمعرفة يفتح المجال أمام التخلف والتبعية.
وختم بالتأكيد على أن أبرز الدروس المستخلصة من التجربتين تتمثل في الجمع بين العلم والعمل، والاستثمار في الإنسان، وإعطاء التعليم الأولوية، وبناء المؤسسات القادرة على مواصلة المشروع الإصلاحي.
من جهته، اتّخذ الدكتور سمير زريري، من الوثائق والصور الأرشيفية مدخلا لمقاربته التاريخية، مستعرضا مجموعة من الوثائق المحفوظة في الأرشيف الوطني الفرنسي، والتي توثّق متابعة الإدارة الاستعمارية لنشاط الإمامين وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ورصد تحركاتهما ومواقفهما واتصالاتهما.
وأوضح أن هذه الوثائق، بما تتضمنه من تقارير ومعلومات استخباراتية، تكشف أن السلطات الفرنسية لم تنظر إلى نشاط الجمعية باعتباره عملا دينيا وتعليميا فحسب، بل أدركت مبكرا ما يحمله من أبعاد وطنية وسياسية، وما يمكن أن يترتب عنه من تنامي الوعي المطالب بالتحرر والاستقلال.
وفي هذا الإطار، عرض وثائق تتعلق بالإمام عبد الحميد بن باديس، تضمّنت معلومات عن شخصيته وعائلته ونشاطه، إلى جانب تقارير تناولت تأثيره في المجتمع الجزائري، ودوره في تكوين جيل متشبع بفكرة التحرر.
كما استحضر وثائق أخرى تخص الإمام البشير الإبراهيمي، رصدت تنقّلاته ومقالاته ونشاطه، وأظهرت اهتمام الإدارة الاستعمارية بما كان يكتبه وينشره، وما يحمله خطابه من مضامين وطنية.
وتوقّف زريري عند نظرة الإدارة الفرنسية إلى المدارس الحرة التي أنشأتها جمعية العلماء، مستشهدا بتقارير رأت فيها فضاءات لتعليم اللغة العربية، لكنها خشيت في الوقت ذاته من دورها في تعزيز الوعي الوطني ومساندة الثورة التحريرية. وهي مفارقة تكشف، بحسب ما أبرزه المتدخل، إدراك الاستعمار للصلة الوثيقة بين التعليم والتحرر، وبين استعادة اللغة والهوية واستعادة القرار الوطني.
كما تناول الدور السياسي للجمعية، مشيرا إلى مساعيها لتوحيد الأحزاب والقوى الوطنية وتقريب وجهات النظر بينها، ومشاركتها في النقاشات المرتبطة بالقضية الجزائرية، فضلا عن نشاط الإبراهيمي في التعريف بالقضية خارج الوطن والسعي إلى حشد الدعم لها.
واعتبر أنّ الوثائق المعروضة لا تقدّم مجرد معلومات تاريخية عن شخصيتي الإمامين، بل تكشف أيضا كيف قرأت الإدارة الاستعمارية تأثيرهما في المجتمع، وكيف ربطت بين نشاطهما الإصلاحي وتنامي المطالب الوطنية، وصولا إلى الاستقلال.





