كتـاب المناطـق المحتلـــة بالصحـراء الغربيـــة يواجهــون الترهيـــب وتكميـــم الأفـــــواه
إصـــدارات المعتقلـــين الصحراويــين وثائـــق تاريخيـــة وإنسانيـة لا تقـــدّر بثمـــــن
يوظّف الكاتب والصحافي الصحراوي محمد فاضل الهيط، تجربته الإعلامية الثرية الممتدة لنحو عقدين في الإذاعة الوطنية الصحراوية، لتوثيق الأبعاد السياسية والإنسانية لمسار يدعّم كفاح الشعب الصحراوي لأجل حقّه في الاستقلال.. ولقد توقف عند دور الكلمة في حفظ الذاكرة ومواجهة الروايات المغلوطة للمحتل، مستعرضا قراءاته التحليلية والاستشرافية في إصداره الجديد «أوراق في نزاع لم يحسم»، كما سلّط الضوء على واقع الكاتب الصحراوي وتحديات حرية التعبير وخطر تكميم الأفواه.. التقينا محمد فاضل، فكان هذا الحوار
– في البداية نودّ تقديم الكاتب الصحراوي محمد فاضل الهيط للقراء؟
محمد فاضل الهيط: أنا صحافي مارست مهنة الإعلام، وأمضيت حوالي عقدين من الزمن في العمل بالإذاعة الوطنية الصحراوية، بالإضافة إلى كوني كاتبا وناشطا في المجتمع المدني. في رصيدي كتابين، الأول نشرت طبعته الثانية هذا العام بعد سنتين من صدوره الأول، وهو دراسة نظرية أكاديمية، وتجربة ذاتية، عشت تفاصيلها من داخل المؤسسة الإعلامية التي اشتغلت بها. ولقد حاولت من خلاله تسليط الضوء على دور «الراديو» كأداة استراتيجية في خطاب البوليساريو»، بناء على ما لمسناه وعايشناه على أرض الواقع من الداخل ويحمل هذا الكتاب عنوان « سلاح الراديو في استراتجية البوليساريو».
– كيف تصف واقع الكاتب الصحراوي في الأراضي المحتلة، وما الثمن الذي يدفعه من أجل الكلمة الحرة؟
الحقيقة أن الكتّاب في المناطق المحتلة من الصحراء
الغربية يدفعون ثمنا باهظا من حريتهم وكرامتهم، فهم يعيشون تحت وطأة الاحتلال المغربي في ظلّ متابعة بوليسية مستمرة، وترهيب ممنهج، وتفقير متعمد، وتكميم للأفواه، لكن، رغم كل هذا القمع، لم يستسلموا، بل حوّلوا المعاناة إلى إبداع ومقاومة.. في هذا المعرض، نرى ثمرة هذا التحدي في إنتاجات فكرية قيمة، نأخذ على سبيل المثال كتاب «نخلة تفجرت بالأزهار» للدكتور محمد علي الحيسن، وهذا الكتاب يروي تجربة اعتقال استمرت قرابة خمس عشرة سنة «1976-1991». لقد دون الكاتب معاناته مع الجلاد بأسلوب روائي مؤثر، ووثّق فيه أسماء الشهداء الذين قضوا تحت التعذيب بالأرقام والتواريخ، ونقل لنا كذلك الإبداعات الشعرية والأدبية التي أنتجها المعتقلون داخل جدران السجن، كما نجد كتاب «أوراق تائب النسيان» الذي أصدرته «مجموعة 26»، وهم شباب صحراويون اعتقلوا في ريعان الشباب ولم تتجاوز أعمارهم العشرين، ومكثوا في السجن أكثر من خمسة وعشرين عاما. هذا الكتاب يوثق رحلتهم مع الإهانة والظلم والحقرة، ويشكّل وثيقة تاريخية وإنسانية لا تقدّر بثمن.
– حدثنا عن إصدارك الجديد الذي جئت به إلى «سيلا»؟
إصداري الثاني، موسوم بـ»أوراق في نزاع لم يحسم»، وهو عبارة عن مجموعة من المقالات والتحليلات التي نشرتها في السابق في صحف جزائرية ودولية. ويتناول الكتاب الجديد تطورات القضية الصحراوية العادلة من زوايا متعدّدة، ويركز على معالجة قضايا راهنة ومتغيرة، من بينها على سبيل المثال «هل هناك تفاهمات بين قوى كبرى على حساب القضية الصحراوية؟»، وغيرها من الإشكاليات الجيوسياسية المؤثرة في مسار هذا النزاع.
– تحرص على تسخير القلم والكلمة للدفاع عن قضية وطنكم المحتل، إلى أي مدى تعكفون على توظيف تجربتكم الإعلامية والنضالية لتسليط الضوء على القضية الصحراوية، وفضح الروايات المغلوطة والأكاذيب التي يروجها المحتل؟
صحيح أن الرصاصة قد تصيب الجسد، لكن الكلمة تصيب الوعي، ومن هنا تكمن القوة الحقيقية للكلمة في بناء الوعي الجماعي ومجابهة السردية المعادية. إن دورنا يتمثل في تنوير الرأي العام غير المطلّع على خبايا النزاع في الصحراء الغربية، وتقريب حقائقه إليه، بعيدا عن التضليل الذي تمارسه بعض الوسائل الإعلامية التي تسعى لانتقاص حق مقدس وثابت للشعوب، ألا وهو حق تقرير المصير. لذا، نوظف أدواتنا الإعلامية والتحليلية بدقة لدحض الدعاوى الزائفة التي لا تستند إلى أي أساس من الصحة.. ويبقى الشعب الصحراوي شعبا واعيا، صامدا، ومقاوما، ومستمرا في نضاله المشروع.
– ما هي أبرز الرسائل التي تسعى إلى إيصالها من خلال كتاباتك؟ هل يمكننا القول إنها تشكّل سلسلة من الرسائل الموجهة للداخل والخارج، ذات أبعاد دبلوماسية وسياسية عميقة، وتحمل في طياتها روح النضال والكفاح من أجل القضية الصحراوية العادلة؟
بالتأكيد، الرسالة الأساسية والجوهرية التي أبعث بها، بصفتي كاتبا صحراويا ومناضلا في جبهة البوليساريو، التعريف بالقضية الصحراوية وإيصال صوت الشعب الصحراوي إلى أبعد المحافل، ومن خلال الكتابة، نسعى إلى نشر الوعي بالقضية وإيصالها إلى أبعد نقطة في العالم. لذا، فإن كتاباتي في مجملها كتابات سياسية بالدرجة الأولى، تحليلية واستشرافية في آن واحد.
– كيف وجدت تجربة المشاركة في الصالون الجزائري الدولي للكتاب، وما الذي يميزها بالنسبة للمثقف والكاتب؟
أعتبر هذا المعرض محطة مهمة ونادرة يستثمرها الكتّاب لتسليط الضوء على مساراتهم الإبداعية وإنتاجاتهم الفكرية. لأنه من جهة، يوفر فرصة ثمينة لاستكشاف ثراء الإصدارات المتاحة، ولقاء النخب الثقافية والإعلامية وجها لوجه. ومن جهة أخرى، يمثل الأهم على الإطلاق، أي نافذة رحبة تطل على الإنتاج الفكري الدولي، ما يكسر حواجز العزلة الإقليمية ويمنح الكاتب فضاءً أوسع للتفاعل مع روافد المعرفة العالمية. وإلى جانب تعزيزه الانفتاح على التجارب الإنسانية العالمية.
– ما الذي لفت انتباهك بشكل خاص في هذه المشاركة، وكيف تفاعلتم مع أجواء المعرض؟
ما جذبني في المقام الأول هو حسن الاستقبال، ودقة التنظيم، وسلاسة التسيير، إلى جانب المعاملة الراقية التي تعكس احترافية عالية في إدارة هذا الحدث. ولكن المفاجأة الأبرز كانت حجم الجمهور الحاشد، بصراحة فوجئت بشكل إيجابي بهذا الحضور المكثف للجمهور الزائر. في ظلّ هيمنة الرقمنة وانتشار الفضاء الرقمي، كنت أخشى في البداية من وجود فجوة بين العرض والطلب، أو أن يكون تقديم الكتاب الورقي تحدّيا يصعب فيه إيجاد القارئ المنشود. غير أن ما شهدته من تعطش حقيقي للكتاب الورقي كان أمرا في غاية الأهمية ويدعو للتفاؤل، لأنه دليل قاطع على أن الثقافة لا تزال تحتفظ بمكانتها الراسخة والحيوية لدى القارئ الجزائري، بل والقارئ العربي بشكل عام.
– لك الكلمة الأخيرة..
بما أنني في حضرة جريدة «الشعب» الجزائرية، ينبغي التأكيد أنني أعرف هذه الجريدة العريقة منذ القدم، وتابعتها في السنوات الأولى لحرب التحرير الصحراوية عام 1975 و1976 و1977، وكنت في ريعان الشباب في ذلك الزمن، وكنت حريصا على قراءة كل ما يقع في يدي مما تكتبه هذه الجريدة.






