المشاريع الكبرى محرك أساسي لتغيير الجغرافيا الاقتصادية بالجزائر
آفاق التنويع تتضمن تصدير الخدمات الرقمية والهندسية..
توسع شامل الاستثمارات الكبرى سلاسل قيمة متكاملة ترفع نسبة الإدماج المحلي
أوضح المستشار الدولي في التنمية الاقتصادية عبد الرحمن هادف، أن “التقييمات الأخيرة لصندوق النقد الدولي لأداء الاقتصاد الجزائري تكتسي أهمية خاصة”، وذلك قياسا إلى “ما تعكسه من مؤشرات حول التحولات التي يشهدها الاقتصاد الوطني، والتقدم المحرز في مسار تنويع مصادر النمو والإنتاج والصادرات”.
وأكد الخبير هادف في تصريح لـ«الشعب” أن إشارة الصندوق إلى الجهود التي تبذلها الجزائر في تنويع اقتصادها، وتوصيفه للمؤشرات المسجلة بأنها “مشجعة”، يعكسان تطورا في قراءة المؤسسات المالية الدولية للخيارات الاقتصادية المعتمدة، لاسيما ما يتعلق بتوسيع القاعدة الإنتاجية وتعزيز الاستثمار في قطاعات متعددة خارج المحروقات”.
وتكمن أهمية هذا التقييم – يقول هادف – “في أنه يتجاوز رصد المؤشرات الظرفية للنمو، ويسلط الضوء على مسار تحولي يستهدف بناء نموذج اقتصادي أكثر تنوعا، وقدرة على خلق القيمة المضافة وتوليد الثروة وفرص العمل”،
واعتبر محدثنا أن “تسجيل الاقتصاد الجزائري نموا حقيقيا قدره 3.9 بالمائة خلال سنة 2025، مقابل 3.7 بالمائة سنة 2024 وفق تقديرات صندوق النقد الدولي من أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها”، وإلى ذلك ذكر أن بلوغ “نمو القطاعات خارج المحروقات حوالي 4 بالمائة، ما يعكس استمرار ديناميكية النشاط الاقتصادي في قطاعات الإنتاج والخدمات والأنشطة المرتبطة بالاستثمار”.
واستنادا إلى توضيحات هادف، فإن هذه الأرقام “تكتسب أهميتها من ارتباطها بهدف استراتيجي يتمثل في توسيع مساهمة الأنشطة غير النفطية في الناتج المحلي الإجمالي والصادرات، بما يسمح تدريجيا بإعادة تشكيل مصادر الثروة والدخل الوطني”، ذلك أن “التحول الاقتصادي يقاس بمدى قدرة الاقتصاد على تنمية أنشطة إنتاجية وتصديرية متنوعة، وبناء روابط أكثر تكاملا بين القطاعات الصناعية والزراعية والمنجمية والخدماتية، وتعزيز قدرته على مواجهة تقلبات الأسواق الخارجية”.
رافعــــــة اقتصاديـــــة
وفي السياق، أشار هادف إلى أن “إطلاق وتنفيذ مجموعة من المشاريع الاستثمارية الكبرى ذات الطابع المهيكل من أبرز مرتكزات الاستراتيجية الاقتصادية الجزائرية”، وذكر أن “صندوق النقد الدولي أشار إلى دورها في دعم القدرات الإنتاجية وتنويع الاقتصاد وتعزيز الصادرات”.
ولعل أهم المشاريع الاستراتيجية في قطاع المناجم، مشروع غارا جبيلات ومشروع الفوسفات المدمج، إلى جانب مشاريع تطوير شبكة السكك الحديدية والبنية التحتية للنقل واللوجستيك، والاستثمارات في الطاقة والموارد المائية والأمن الغذائي التي تكمن أهميتها الاقتصادية – وفق هادف – فيما “تحدث من تحولات في الجغرافيا الاقتصادية الوطنية، من خلال ربط مناطق الإنتاج بمراكز التحويل والأسواق، وخلق أقطاب صناعية جديدة، وتحفيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتطوير أنشطة المناولة والخدمات المرتبطة بها”.
ويرى هادف أن “الرهان الاستراتيجي يتمثل في تحويل هذه الاستثمارات إلى سلاسل قيمة متكاملة، تسمح بالانتقال التدريجي من تثمين الموارد الأولية إلى تطوير صناعات تحويلية ومنتجات ذات قيمة مضافة أعلى، بما يعزز الإدماج المحلي ونقل التكنولوجيا وخلق فرص العمل”
وبعدما أكد أن “المشاريع الكبرى المهيكلة تمثل محركا لتوسيع المجال الاقتصادي والاستثماري، وأداة لإعادة توزيع النشاط الإنتاجي وتعزيز التكامل بين مختلف مناطق البلاد”، لفت الانتباه إلى أن الديناميكية التي تشهدها الجزائر “تتزامن مع جملة من الإصلاحات التشريعية والمؤسساتية التي تستهدف تحسين بيئة الأعمال وتسهيل الاستثمار، لاسيما من خلال قانون الاستثمار، والإصلاحات المتعلقة بالعقار الاقتصادي والمناجم، وتطوير دور الوكالة الجزائرية لترقية الاستثمار وتعزيز آليات الشباك الوحيد”.
واعتبر هادف “تطور مساهمة القطاعات غير النفطية في الصادرات، بما يعكس أهمية التوجه نحو توسيع قاعدة المنتجات والخدمات القابلة للتسويق في الأسواق الخارجية”، من المؤشرات التي “تستحق الاهتمام في تقييم مسار التنويع الاقتصادي”، وأشار إلى أن “آفاق التنويع تتجاوز الصادرات الصناعية والزراعية والمنجمية لتشمل تصدير الخدمات، وخاصة الخدمات الرقمية وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات المهنية والهندسية”، لاسيما وأن موقع الجزائر الرابط بين أوروبا وإفريقيا، إلى جانب مواردها الطاقوية والبنية التحتية التي يجري تطويرها، مؤهلات استراتيجية يمكن توظيفها لتعزيز الاندماج في سلاسل القيمة الإقليمية والدولية.
وفي قراءته لـ«المؤشرات المشجعة التي يعكسها تقييم صندوق النقد الدولي”، أكد أنها “مناسبة لقراءة التحولات الجارية ضمن رؤية استراتيجية طويلة الأمد، ترتكز على بناء اقتصاد متنوع، وتعزيز القدرات الإنتاجية الوطنية، وتوسيع قاعدة الاستثمار، وتطوير الصادرات، وترسيخ موقع الجزائر كشريك اقتصادي وطاقوي فاعل في محيطه الإقليمي والدولي”.
ويتمثل التحدي الأساسي خلال المرحلة القادمة – وفق هادف – في “مضاعفة الأثر الاقتصادي للمشاريع الكبرى المهيكلة، وتحويلها إلى محركات لاستثمارات مكملة وسلاسل قيمة متكاملة، بالتوازي مع تطوير المؤسسات الوطنية وتعزيز تنافسية المنتجات والخدمات الجزائرية في الأسواق الخارجية”.




