الصالون الدولي للكتاب بالجزائر فضاء ثري لتبادل الثقافات
تعليم العربية لغير الناطقين بها يقتضي معايشة ثقافتها
وظيفة المترجم لن تختفي أمام الذكاء الاصطناعي
شقّ المترجم والأستاذ الجامعي الإيطالي فرانشيسكو ليجو مسارا أكاديميا وثقافيا ساطعا، جعل من اللغة جسرا لاكتشاف الآخر وفهم خصوصياته، ومن شغف مبكر باللغة العربية في مدينة باليرمو الإيطالية، إلى محطة التخصّص في تدريسها وترجمة آدابها إلى الإيطالية، حيث تحدّث في حواره عن تجربته في تعلم العربية وتعليمها لغير الناطقين بها، وقدم قراءته لمستقبل الترجمة في ظلّ التحولات التي يفرضها الذكاء الاصطناعي. كما توقف عند مشاركته في الطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، وما ترسخ من تنوع وحيوية في المشهد الثقافي والإبداعي.
– ”الشعب”: كيف نشأت علاقتكم باللغة العربية؟ وما الذي دفعكم إلى اختيارها مجالا للدراسة والتدريس؟
فرانشيسكو ليجو: بدأت رحلتي مع اللغة العربية في مدينة باليرمو بجزيرة صقلية الإيطالية، حيث شرعت في تعلمها، قبل أن أنتقل إلى تونس لمواصلة دراستي بمعهد بورقيبة للغات الحية. وقد شكّلت هذه التجربة محطة مهمة في مساري، إذ لم يقتصر تعلم اللغة بالنسبة إلي على اكتساب قواعدها ومفرداتها، بل أتاح لي فرصة الاقتراب من الثقافة العربية والتعرّف على خصوصياتها، وهو ما عزّز اهتمامي بها ودفعني إلى مواصلة التخصص فيها.
– تعملون أستاذا للغة العربية بجامعة الدراسات الدولية في روما، وتهتمون بتدريسها لغير الناطقين بها. ما أبرز التحديات التي تواجهونها في هذا المجال؟
إن تعليم العربية لغير الناطقين بها يقتضي التعامل مع لغة لها خصوصياتها اللغوية والثقافية، ولذلك لا يمكن اختزال تعلمها في حفظ المفردات أو استيعاب القواعد، بل يتطلّب التعرّف على سياقات استعمالها ومعايشة ثقافتها. فتعلم اللغة يظل مرتبطا بالانفتاح على أهلها وبيئتها، وبالاحتكاك المباشر بها، وهو ما يمنح المتعلم قدرة أكبر على فهم دلالاتها وتعبيراتها.
– تشاركون في فعاليات الطبعة التاسعة والعشرين للصالون الدولي للكتاب بالجزائر، كيف وجدتم هذه التظاهرة الثقافية؟
أثمّن كثيرا التنظيم الجيد للصالون، كما لفت انتباهي التنوّع الكبير الذي يميز فضاءاته، سواء من حيث قطاع النشر أو الإبداع الفني والشعري والروائي. هناك حضور ثقافي ثري يعكس تعدّد التجارب والاهتمامات، ويمنح الزائر فرصة للاطلاع على إصدارات مختلفة والتعرّف على تجارب أدبية متنوعة. وقد أعجبني كثيرا جناح فلسطين، الذي وجدته رائعا جدا، لما يحمله من حضور ثقافي ورمزي قوي.
– إلى أي مدى يمكن لمثل هذه التظاهرات أن تسهم في تعزيز الحوار الثقافي بين الشعوب؟
إن المعارض الدولية للكتاب فضاءات مهمة للتعارف والتواصل بين الثقافات، فهي لا تتيح عرض الكتب والإصدارات وحدها، بل تفتح المجال أمام تبادل التجارب والأفكار، والتقارب بين الكتاب والمترجمين والناشرين والقراء. ومن هنا، يمثل الصالون الدولي للكتاب بالجزائر فرصة للاطلاع على ثقافات مختلفة، وتعزيز الاهتمام بالترجمة بوصفها جسرا للتواصل بين اللغات والشعوب.
– باعتباركم مترجما، ما الذي يجذبكم أكثر إلى الترجمة الأدبية؟
أفضّل دائما الترجمة الأدبية من اللغة العربية إلى لغتي الأم، الإيطالية، لأن هذا النوع من الترجمة يتطلّب ملكة لغوية عميقة، ولا يكفي فيه الإلمام بالمفردات والقواعد. لأن المترجم مطالب بفهم النص في أبعاده اللغوية والثقافية والجمالية، وهذا الفهم يكتسب بالدراسة المستمرة ومعاشرة أهل اللغة والتعمق في ثقافتهم. وعلما أن الترجمة الأدبية ليست نقلا للكلمات من لغة إلى أخرى، وإنما هي محاولة لنقل المعنى والروح والأسلوب إلى القارئ في اللغة المستهدفة.
– في ظلّ التطوّر المتسارع للذكاء الاصطناعي، كيف تنظرون إلى مستقبل مهنة الترجمة؟ وهل يمكن أن يصبح المترجم مهددا بالاستغناء عنه؟
الذكاء الاصطناعي يطرح اليوم تساؤلات كبرى وعلامات استفهام حول مستقبل المترجم، ولا يمكن تجاهل التحولات التي أحدثها في هذا المجال. أعتقد أن المترجم التقليدي قد يتراجع دوره في بعض المهام التي أصبحت التقنيات الحديثة قادرة على إنجازها، لكن وظيفة المترجم لن تختفي بالضرورة، بل ستعرف تحوّلا في طبيعتها. فقد يصبح دوره أكثر ارتباطا بالمراقبة والمراجعة والتنسيق، والتأكد من سلامة الترجمة ودقتها، خاصة عندما يتعلّق الأمر بالنصوص التي تتطلّب فهما عميقا للسياق والدلالات الثقافية.
– هل تعتقدون أن الترجمة الأدبية ستكون أكثر قدرة على الحفاظ على حضور المترجم البشري أمام هذه التحوّلات؟
إن طبيعة الترجمة الأدبية وما تتطلّبه من ملكة لغوية ومعرفة بالثقافة والسياق تجعلها مجالا يطرح تحديات خاصة أمام الذكاء الاصطناعي؛ لأن فهم النص الأدبي لا يتوقف عند المعنى المباشر للكلمات، لأنه في الواقع يشمل أسلوب الكاتب وإيحاءاته واختياراته التعبيرية. ومن هنا تبرز أهمية المترجم الذي يمتلك معرفة عميقة باللغة والثقافة، ويستطيع مراجعة النص وتقدير ما يحتاج إليه من تدخل لغوي وأدبي.
– بمناسبة احتفال الجزائر بالذكرى الثانية والسبعين لاندلاع الثورة التحريرية المجيدة، ما الرسالة التي توجّهونها إلى القارئ الجزائري؟
أوجّه تحية إلى الجزائر وللقارئ الجزائري، وأغتنم هذه المناسبة للتعبير عن تقديري لهذا البلد وشعبه. كما أؤكد أن إيطاليا ترحب بكل من يحب التعرّف على ثقافتها ودراسة لغتها، وأتمنى أن تتواصل جسور التواصل الثقافي بين البلدين، وأن تتعزّز فرص التعارف والتبادل بين الشعبين الجزائري والإيطالي.






