مسار استثنائي لأكاديمي جزائري آمـن بالوطـن وأسّس للنهضـة الوطنيـة
نظّمت جريدة “الشعب” أمس، ندوة فكرية بعنوان “أبو العيد دودو.. وجهود الترجمة”، نشّطها كل من الدكتور عبد القادر بوزيدة والدكتور عبد الحميد بورايو، خصّصت لاستحضار المسيرة العلمية والأدبية لهذا الاسم، الذي ترك بصمة بارزة في الثقافة الجزائرية، سواء من خلال إبداعاته الأدبية أو أبحاثه التاريخية وأعماله في الترجمة، التي أسهمت في التعريف بجوانب مهمة من تاريخ الجزائر وتراثها.
شكّلت الندوة مناسبة للوقوف عند تجربة الدكتور أبو العيد دودو، واستعادة مساره العلمي والفكري، والتعريف بإسهاماته التي امتدت إلى مجالات القصة والرواية والمسرح والنقد الأدبي والأدب المقارن، إلى جانب الترجمة التي أولى لها اهتماما خاصا، وأسهم من خلالها في نقل مؤلّفات ألمانية إلى اللغة العربية، وإتاحة مضامينها أمام القارئ الجزائري.
وينحدر أبو العيد دودو من قرية أزيار بدوار تمنجر، التابعة لبلدية العنصر بولاية جيجل، حيث ولد يوم 13 جانفي 1934. بدأ تعليمه في الكتاب القرآني، قبل أن ينتقل إلى قسنطينة لمواصلة دراسته، ويلتحق بمعهد الشيخ عبد الحميد بن باديس خلال الموسم الدراسي 1947-1948، وهناك تتلمذ على أيدي عدد من أعلام الحركة الإصلاحية، وتحصّل على شهادة الأهلية سنة 1951.
واصل بعدها رحلته في طلب العلم ضمن البعثة الجزائرية الزيتونية، فالتحق بجامع الزيتونة بتونس، قبل أن ينتقل إلى العراق سنة 1952 لمتابعة دراسته بدار المعلّمين العليا ببغداد، حيث تخصّص في اللغة العربية وآدابها، وتحصّل على شهادة الليسانس سنة 1956. ولم يتوقّف طموحه العلمي عند هذا الحدّ، إذ انتقل إلى النمسا والتحق بجامعة فيينا، حيث درس الأدبين العربي والفارسي، ونال شهادة الدكتوراه في مارس 1961 عن تحقيق كتاب “المنصور” لابن نظيف الحموي.
وخلال سنوات الثورة التحريرية، لم يكن حضوره العلمي بعيدا عن القضية الوطنية، إذ ساهم في التعريف بها من خلال مشاركاته في الندوات والملتقيات الفكرية، ومقالاته المنشورة في عدد من الصحف والمجلّات العربية والأوروبية.
وبعد حصوله على الدكتوراه، عمل أستاذا للأدب العربي بمعهد الدراسات الشرقية في ألمانيا، ثمّ انتقل إلى جامعة فيينا بالنمسا، قبل أن يعود إلى الجزائر سنة 1969، ويلتحق بجامعة الجزائر أستاذا محاضرا بقسم الأدب العربي. كما تولى إدارة معهد اللغة والأدب العربي لفترتين، الأولى بين 1975 و1981، والثانية من 1984 إلى 1988.
ولم تنحصر تجربة دودو في التدريس والبحث الأكاديمي، فقد ترك إنتاجا متنوّعا شمل القصة والمسرح والرواية والشعر والدراسات الأدبية والتاريخية، ومن أعماله القصصية “الطعام والعيون” و«بحيرة الزيتون” و«دار الثلاثة”، كما كتب للمسرح أعمالا من بينها “البشير” و«الطريق الفضي” و«التراب”. وفي الدراسات، ترك مؤلّفات منها “كتب وشخصيات” و«الجزائر في مؤلفات الرّحالين الألمان” و«دراسات أدبية مقارنة”، إلى جانب تحقيقه ودراسته لعدد من النصوص التراثية.
أمّا الترجمة، فقد شكّلت ركنا أساسيا في مشروعه الثقافي، حيث نقل إلى العربية مؤلّفات ذات قيمة أدبية وتاريخية، من بينها “مذكّرات أو لمحة تاريخية عن الجزائر” لبفايفر سيمون، و«الأمير عبد القادر” ليوهان كارل بيرنت، و«قسنطينة أيام أحمد باي” لفندلين شلوصر، و«ثلاث سنوات في شمال إفريقيا” لهاينريش فون مالتسان، فضلا عن أعمال أخرى من الأدب الألماني، بينها “من روائع غوته” و«الإنسان الطيب” لبرتولد بريخت.
وقد أولى دودو عناية خاصة باللغة والأسلوب، فلم تكن الترجمة عنده نقلا حرفيا للكلمات، بل عملا يتطلّب الإلمام العميق باللّغتين وفهم السياق الثقافي والتاريخي للنص. وهو ما جعل القارئ، كما تشير إحدى الشهادات التي تناولت تجربته، لا يشعر بأنه أمام نص منقول عن لغة أخرى، بفضل لغته العربية السلسة وأسلوبه المتماسك، حتى تبدو الترجمة وكأنها مكتوبة أصلا بالعربية.
ومن هذا المنطلق، ينظر إلى تجربته باعتبارها من التجارب المؤسّسة للترجمة في الجزائر، لاسيما في مجال النصوص التاريخية التي أتاحت للباحثين والقرّاء الاطلاع على مصادر ومراجع ظلت زمنا طويلا بعيدة عن التداول باللغة العربية، رغم ما تحمله من معلومات مهمة حول المجتمع الجزائري وتاريخه. غير أنّ هذا المسار لم يجد، بحسب ما يطرحه المهتمّون بإرثه، الاستمرارية المطلوبة، إذ بقيت الترجمة من الألمانية، خاصة في المجال التاريخي، محدودة مقارنة بأهمية هذا الرصيد.
ورغم غزارة إنتاجه وتنوّعه، واجه أبو العيد دودو صعوبات في نشر عدد من أعماله، ولا تزال بعض مخطوطاته تنتظر الاهتمام والتحقيق والنشر، وهو ما يعيد طرح مسألة العناية بالتراث الفكري للأسماء التي أسهمت في بناء المشهد الثقافي الجزائري.
توفي الدكتور أبو العيد دودو يوم 16 جانفي 2004، عن عمر ناهز سبعين سنة، تاركا وراءه رصيدا علميا وأدبيا يستحق إعادة القراءة والتعريف، ليس فقط باعتباره أديبا وأستاذا جامعيا، وإنما أيضا مترجما أسهم في مدّ جسور المعرفة بين الثقافتين العربية والألمانية.
وتفصل “الشعب” في العدد المقبل، مضامين المداخلات والنقاشات التي شهدتها هذه الندوة، وما طرحته من قراءات حول مسيرة أبي العيد دودو وجهوده في الترجمة، ومكانة أعماله في الذاكرة الأدبية والتاريخية الجزائرية.




