«ابنة الرملين” تتمرد على التكرار وتؤمن بخلود النص الجميل
جلطي والزاوي.. رسائل حب وإبداع تنتظر النشر منذ ربيع العمر
في أمسية أدبية دافئة بالإبداع، وممتعة بسرد تجربة أديبة بارزة وأكاديمية ذائعة الصيت جمعت بين الشعر والرواية، استمتع الحضور في فضاء «روح البناف» الكائن بجناح فلسطين في الصالون الدولي للكتاب، بشهادة أحد أهم الأصوات الإبداعية في الجزائر، الدكتورة ربيعة جلطي، التي روت قصة الإنسانة والمبدعة منذ نعومة أظافرها إلى آخر رواية ترجمتها إلى اللغة الفرنسية، ورأت النور في الصالون الدولي للكتاب بعد أن نُشرت بالعربية عن دار العين بالقاهرة.
لامست الدكتورة ربيعة جلطي قلوب الحاضرين بتقديم سيرتها الأدبية، قبل إلقاء قصائدها الجميلة المفعمة بالمشاعر والنابضة بالأحاسيس، حيث قطعت مسارا طويلا من الإبداع في الرواية والشعر. وفي الرواية، لديها «الدرويش والصنوبر»، و«عرش الشك»، و«حنين»، و«النعناع»، و«عازف حي المرجان»، و«سيدة شغف»، و«أجنحة الطاووس»، و«طواويس شارع جميلة بوحيرد»، و«قلب الملاك الآلي». ويُذكر أن وزيرة الثقافة والفنون مليكة بن دودة حضرت جانبا من هذه الفعالية.
إبــداع ابنـة الرملين
قراءة تجربة جلطي تتطلب التفكيك والتحليل؛ لأنها متنوعة وثرية، ولأن المبدعة تؤمن بأن التوقف عن التجديد هو اقتراب من الموت البيولوجي للإبداع. وتنقسم التجربة الإبداعية لربيعة جلطي إلى قارتين متمايزتين، كما تقول: قارة الشعر وقارة الرواية، رغم اشتراكهما في منبع الوجدان؛ لأن الشعر بالنسبة إليها جينة وراثية، وحساسية مفرطة، وهشاشة إنسانية تولد مع الإنسان. ولأن الشعر، حسب نظرتها، نهر الأسئلة الوجودية التي لا تطلب بالضرورة إجابات، وإنما توثق حالة الجنون الإبداعي التي تفرض نفسها في مواجهة عالم يسير بسرعة شيطانية نحو المجهول. في حين تمثل الرواية الجانب الآخر من المعادلة، وهو العمل الشاق المنتظم، والبحث الأركيولوجي في طبقات التاريخ والجغرافيا وعلم النفس والفلسفة. وقالت جلطي إنها عملية تشبه البناء الصناعي المعقد، تتطلب سنوات من التنقيب والتأسيس، كما يتجلى في روايتها «السرجم» التي استغرقت خمس سنوات من البحث المكثف لتعالج ثنائية الشمال والصحراء، وتغوص في أعماق الأساطير الإنسانية، وتطرح أسئلة فلسفية مؤلمة حول طبيعة الشر والقسوة في الكائن البشري، مقارنة بما هو مختبئ في أعماق الأرض.
وأقرت الشاعرة الروائية، أن البنية التحتية لهذا الوعي الإبداعي المتشعب تعود إلى جذور عميقة في الذاكرة والطفولة، حيث تعرف جلطي نفسها بأنها “ابنة الرملين”، امتزج فيها هدوء البحر الأبيض المتوسط بعمق الصحراء وروحانيتها. هذا الإرث الجيني والتاريخي، المنحدر من سلالات صوفية كسيدي امحمد بن البوزيان، الذي وحد الصحراء، من جهة والدتها، ومن عائلات عريقة كآل زرهوني في ندرومة، من جهة والدها، شكل الإطار المرجعي لرؤيتها. غير أن المحرك الأساسي لهذه الطاقة كان والدها، الأستاذ والمترجم، الذي حول البيت إلى ورشة لغوية وفكرية، حيث كان لصوت القراءة المرتفعة ونقاشات اللغة أثرهما في غرس بذرة السعادة والكتابة، مما يفسر ذلك الارتباط العضوي بين اللغة والهوية في كل ما خطته يدها.
الوعـي النقدي.. الحصـن الأخــير
وفي خضم هذا الاشتغال على الإنسان كعمود فقري للإبداع، لم تغفل جلطي عن التحولات التكنولوجية الكبرى التي تعيد تشكيل ملامح العصر. وفي بادرة تنبؤية تسبق عصرها، انخرطت في إشكاليات الذكاء الاصطناعي منذ أكثر من عقدين، لتنتج عام 2017 رواية “قلب الملاك الآلي”، التي منحت البطولة لروبوت أنثى تحمل قلبا ورحما. ويتسم موقفها من هذه الثورة التكنولوجية بالوضوح والتحليل الدقيق؛ لأنها تدرك أن الذكاء الاصطناعي حقيقة لا يمكن إنكارها، لكن الخطر يكمن في انعكاس المعادلة، حيث يصبح الإنسان أداة تُستغل بدلا من أن يكون الذي يوظف التكنولوجيا. ويثبت هذا الوعي النقدي أن العقل البشري يجب أن يظل باستمرار المنبع السيادي، وأن الإبداع الإنساني ببعده الروحي والأخلاقي هو الحصن الأخير أمام أي هيمنة آلية.
وكشفت جلطي أن سر استدامتها الإبداعية يكمن في التوازن الدقيق الذي توفره حياتها الأسرية مع الروائي أمين الزاوي، حيث يتحول البيت إلى فضاء للحوار المفتوح الذي يغطي السياسة والأدب والفلسفة والتكنولوجيا. وهذا الفضاء، المدعوم بمشاركة الأبناء الذين يمثلون جسرا نحو الفنون والابتكار التكنولوجي، يلغي مفهوم الروتين ويوفر البيئة الداعمة للكتابة، وهي تجربة تنسف المقولات النمطية التي تعتبر أن الالتزام الأسري نقيض للإبداع النسوي، لتثبت أن الشراكة الحقيقية والدعم المعنوي هما الركيزة الأساسية لتمكين المرأة من الإبحار في بحور الإبداع الممتدة.
يبقـى عالقا فــي الذاكـرة..
وعبرت جلطي عن رفضها الخضوع لإيقاع دور النشر ومواعيد المعارض، وتصر على أن الكتابة الجيدة تحتاج إلى زمنها الطبيعي للتخمر. وقالت إنها تؤمن بأن التكرار هو العدو الأول للإبداع، وأن على كل عمل جديد أن يقدم إضافة نوعية تخرج عن المألوف. واستعانت في ذلك بتشبيه بليغ، حيث أشارت إلى أن القارئ قد ينسى تفاصيل الرواية وشخصياتها، لكنه يحتفظ بـ«عطر» النص وإحساسه العميق. وهذا العطر هو الجوهر الذي تصنعه بهدوء، ليظل حاضرا في ذاكرة القارئ عبر الأزمنة، متجاوزا حدود الحاضر التجاري نحو الخلود الثقافي.
وتترجم قصائدها التي تعبر الحدود واللغات، كما حدث مع قصيدتها «سيرة النجم الروبوت» التي تُرجمت إلى خمس عشرة لغة، هذا الانسجام التام بين رهافة الشعر وصلابة الرواية. ويمكن القول، دون مبالغة، إن مسار ربيعة جلطي شهادة حية على أن الإبداع الحقيقي عملية مستمرة من النحت في الذات والكون، وهو قدرة الإنسان على أن يبقى سيد أسئلته، وحارس لغته، وصانع عطره الذي يظل عالقا في الذاكرة.
وفي سؤال لـ«الشعب” يتعلق بموعد طرح مشروع كتاب حول الرسائل التي تبادلتها مع زوجها الروائي أمين الزاوي، كشفت الدكتورة جلطي أنهما يعكفان على جمعها، وهي كثيرة، منذ أن كان عمرها 17 ربيعا، وأشارت إلى أن هناك رسائل ما زالت في وهران، حيث عاشا، لم تُجمع بعد. ولم تُخفِ أنها تحتاج إلى بعض الوقت لترى النور، غير أنها لم تحدد موعدا تقريبيا لصدورها، بعد أن تم تداول خبر تأهبهما لإصدار هذا النوع من الأدب، أي “أدب الرسائل”.





