إن أزمة الفاقد التعليمي للطلاب الفلسطينيين تكشف أن الغربة ليست مجرد كلمة شعرية، بل هي واقع هيكلي يساعد في تعميق الفجوة بين الطالب والكتاب، وبين الأمل والواقع.
إن الخطأ الذي يقع فيه الكثير عندما تُقدَّم أزمة الفاقد التعليمي بين أبناء فلسطين النازحين على أنها مجرد نقص في عدد الحصص الدراسية أو تأخر في المناهج؛ على النقيض، إن هذه الأزمة لا تتشابك بشكل خاص مع الغربة الناتجة عن البعد الجغرافي عن الوطن، بل يمتد إلى غربة عن النظام التعليمي، وغربة عن المسار الدراسي السابق، وغربة مؤسسية ناتجة عن تعقيدات الوضع القانوني والإقامة واختلاف المسار التعليمي. ومع أن المبادرات التعليمية تمثل جهداً إنسانياً مهماً في جمهورية مصر العربية، فإن حدودها تظهر بوضوح عندما تُترك الأسباب العميقة دون معالجة؛ فالتحدي الحقيقي ليس كيف نُعطي أطفال فلسطين دروساً في مصر، بل كيف نبني نظاماً يُقلل من غربة المسار التعليمي، ويُعيد لهذا الجيل فرصة أن يكمل طريقه رغم النزوح؛ فبالعلم وحده لا نُغلق الفجوة إن لم نُغلق أولاً فجوة الاغتراب المؤسسي المنظم.
ومع تزايد المبادرات التعليمية التي تُطرح كحلول إنسانية عاجلة وفي نفس الوقت كحل سريع وفوري، يصبح من الضروري التساؤل: هل هذه المبادرات تُعالج الأسباب العميقة للفاقد التعليمي أم تكتفي فقط إعطاء المنهاج مع تجاهل كامل لسنوات عدة ناتجة عن الوضع السياسي والأمني في غزة؟ إن الطالب الفلسطيني والغزي بشكل خاص في مصر لا يحتاج فقط دروساً داخل فصل دراسي مكون من غرفة ومقعد ومدرس أمامه دون المرور بمرحلة تأسيسية وتعويضية.
فالطالب الغزي يمر بالاغتراب عن الأرض التي ولد وعاش فيها، وعن منهج دراسي اعتاد عليه لسنوات، كان أساسه نظام رسمي من الصعب الوصول اليه في الوقت الحالي. لذلك يجب ان يكون الهدف الحالي لأية مبادرة هو التُعمّق في تأثير أبعاد الغربة والتي أججت أزمة الفاقد التعليمي، والعمل على الوصول إلى حل حقيقي وشامل.
عند دراسة الفاقد التعليمي للطلاب بشكل عام، نجد العديد ممن يؤمنون بأن الفاقد التعليمي هو مجرد تأخر أكاديمي وتـأخر في التدرج التعليمي الناتج عن انقطاع الدراسة بسبب الحروب وانتشار الامراض. المدرسة (ي. أ) تري ان الفاقد التعليمي هو تأخر الطلبة عن مهارات معينة من المفترض امتلاكها في المرحلة الابتدائية ولكن تتفاجأ ان الطالبة في الصف الأول الاعدادي لا تملكها.
أما مسؤولة التعليم في إحدى المؤسسات العاملة على دعم الطلبة (ر.إ) أكدت على انتشار الفاقد التعليمي بين الطلبة بشكل كبير رغم محاولات عديدة لتقدم الطالب كتدرج فصلي. كما هو معروف، الفاقد التعليمي هو عدم تحقق النواتج والمخرجات التعليمية المخطط لها، أو خسارة الطالب للمعارف والمهارات والقدرات السلوكية والاجتماعية التي سبق له اكتسابها أو كان من المفترض اكتسابها، نتيجة لخلل أو انقطاع في رحلته التعليمية.
إن غياب الوضع القانوني للغزيين المتواجدين في مصر وصعوبة إكمال إجراءات التسجيل بالمدارس الحكومية المصرية بسبب العمل على تفادي قضية التوطين والتهجير، وهذا يدفع الكثيرين إلى الاعتماد على خيارات تعليمية غير رسمية أو متقطعة، مما يوسّع دائرة الفاقد بدلاً من سدّها. وثانياً، تظهر غربة المنهج والمسار: فالانتقال من المنظومة التعليمية الفلسطينية المتمثلة بوزارة التربية والتعليم في فلسطين إلى المنظومة العبثية لا يعني مجرد تغيير في الكتب، بل يعني انقطاعاً في التسلسل المعرفي، وغياباً كافياً لبرامج تحديد المستوى المصممة خصيصاً لهذه الحالة؛ فيشعر الطالب أنه «غريب» حتى في قاعة الدرس نفسها. وهنا تعرب الطالبة (ض. ج) وهي طالبة الثانوية العامة انها تعاني كثيرا بسبب الانقطاع عن الدراسة خلال فترة انتشار كورونا امتدت خلال فترة وجودها في الغربة بسبب الوضع الأمني في غزة.
أما طالب الصف الثاني ثانوي (أ. ط) يعبر عن مدى استياءه وخوفه من الثانوية العامة بعيدا عن وطنه لعدة أسباب منها التشتت بين الدراسة المسائية والتعليم الالكتروني. الي جانب معاناته بشكل كبير من بعض المواد مثل اللغة الإنجليزية والرياضات. أما الطالبة (ف. ح) تعتبر المبادرة مجرد مكان لرؤية الصديقات لأنها تعاني من فاقد تعليمي خاصة في مادة اللغة الإنجليزية. وأضافت قائلة إن الوضع التعليمي بسبب الحرب أثر كثيرا عليها مما كانت تعاني مسبقا منه. وعززت قولها مدرسة اللغة الإنجليزية (ف. ر) في إحدى المبادرات أن الطلبة يعانون كثيرا من الفاقد التعليمي بمادة اللغة الإنجليزية وخاصة في المرحلة الثانوية.
لا يمكن انكار دور العديد من المؤسسات والمبادرات الإنسانية التي تعمد الي توفير فرص للطالب للتعلم. ان وجود جهود قيّمة تقوم بها منظمات أهلية ومراكز مجتمعية ومبادرات لدعم أطفال فلسطين في مصر مثل مؤسسة هيل بالستين والمهتمة بشكل خاص بالطلبة المصابين والمرضى وغيرهم من الفئات المهمشة، ومركز السلام، مركز المجد، وايلد أكاديمي والعديد من المبادرات سواء المدفوعة أم المجانية. فهناك العديد من البرامج المخصصة للفاقد التعليمي وخاصة في مؤسسة (هيل بالستين) للدروس التعويضية وبرامج الدعم النفسي، ومنصات للتعليم عن بُعد، ومراكز تحاول الحفاظ على المنهج الفلسطيني، بالإضافة إلى محاولات للتنسيق مع الجهات الدولية والمحلية للإيجاد حلول جذرية للفاقد التعليمي.
هناك العديد من البرامج والمبادرات التي غالباً ما تظل ضمن إطار «الإغاثة التعليمية المؤقتة» بدلاً من أن تكون جزءاً من سياسة تعليمية مستدامة. وأول هذه الحدود هو الاعتماد على التمويل المؤقت والمتطوعين: فكثير من المراكز تعمل بتمويل قصير الأمد، مما يهدد استمراريتها ويمنعها من بناء برامج طويلة الأمد لسد الفاقد الحقيقي. وثانياً، هناك محدودية معالجة البعد الثقافي والنفسي: فمعظم البرامج تركّز على سدّ الثغرات في المواد الدراسية، دون دمج كافٍ لبرامج الإرشاد النفسي، أو أنشطة الحفاظ على الهوية الفلسطينية، أو برامج تيسير الاندماج في البيئة الجديدة؛ وهكذا يبقى الطالب «مُعالجاً أكاديمياً» لكنه ما زال يعيش غربة الاغتراب. وثالثاً، تظهر فجوة الوصول إلى التكنولوجيا: فالتعليم عن بُعد الذي يُقدَّم كحل سريع يواجه عقبات حقيقية مثل نقص الأجهزة، وضعف الإنترنت، وضيق ظروف السكن للنازحين؛ فيتحول هذا «الحل الرقمي» في كثير من الحالات إلى مصدر إضافي للفاقد بدلاً من علاجه.
وأخيراً، هناك غياب التنسيق المؤسسي الشامل: فالجهود المبذولة والمختلفة غالباً من ناحية الجهة الممولة للمبادرات تعمل بشكل منفصل دون آلية منظمة وواضحة لتعويض الفاقد التعليمي، ودمج الطلاب في مسار رسمي مستقر؛ وهذا ما يجعل كثيراً من المبادرات تبدو جميلة في البيانات الصحفية، لكنها تظل محدودة الأثر على أرض الواقع.
إن النقد لا يعني فقط إظهار العيوب، بل يعني أيضاً اقتراح تحول في طريقة التفكير بالأزمة؛ فبدلاً من أن نرى الفاقد التعليمي كـثغرة معرفية وتعليمية ناتجة عن الغربة والحواجز المؤسسية.
وهذا يتطلب خطوات تتجاوز الدروس بالمنهج الدراسي ولكن الطلبة يحتاجون الحصص التعويضية تتمثل بإنشاء برامج علاجية لمعادلة المناهج، وتصميم نماذج تعليمية تجمع بين سدّ المعرفة والدعم النفسي والثقافي، بالإضافة إلى دعم المبادرات المجتمعية بتمويل مؤسسي طويل الأمد وليس فقط بتبرعات عابرة. كما ينبغي إجراء دراسات ميدانية منتظمة لقياس حجم الفاقد الفعلي وليس الاعتماد على التقديرات العامة؛ فالمعالجة الحقيقية لا تبدأ ببناء المزيد من الحصص، بل بفهم أن الطالب الفلسطيني في الغربة يحتاج أولاً إلى إعادة توصيل بمساره التعليمي والهوى، قبل أن نطلب منه اللحاق بالدروس.
دكتوراة اللغويات التطبيقية -اللغويات الاجتماعية






