تشريــــح مســـارات المقاومـــة وتوثيـــق قيـــــم المجتمـع الجزائــــري
سجّلت المجاهدة الأديبة زهور ونيسي حضورا جميلا في “سيلا” بعمل سردي وسمته بعنوان “بنات البناي”، لتفتح نافذة على جانب من تاريخ المجتمع الجزائري، من خلال يوميات نساء عشن تحولات مرحلة مفصلية من تاريخ الوطن، وجعلن من تفاصيل الحياة العائلية والاجتماعية شاهدا على زمن الاحتلال ومخاض التحرر وبدايات بناء المجتمع الجزائري.
يقدّم العمل تجربة سردية وتاريخية تستعيد من خلالها واحدة من أبرز الأسماء في الأدب الجزائري تقاطعات الذاكرة الشخصية والجماعية، حيث تتحول حكايات الأخوات إلى مدخل لاستحضار ملامح مجتمع كامل، بتقاليده وقيمه وتطلعاته وأشكال مقاومته.
ولا تتوقف “بنات البناي” عند استعادة وقائع الماضي وتسجيل الذكريات العائلية، وإنما تمتد إلى مساءلة العلاقة بين الإنسان وتاريخه، وبين ما تحتفظ به الذاكرة الفردية وما قد تغفله الروايات التاريخية العامة. فمن خلال حكايات أخواتها الأربع، تستحضر زهور ونيسي وجوها نسائية تتجاوز دلالتها حدود الأسرة، لترتبط بتحولات المجتمع الجزائري، وما شهدته الحياة اليومية من تأثيرات الاحتلال ومقاومة التجهيل والتمسك بالهوية الوطنية.
وتتجلى خصوصية النص في طبيعة مادته السردية؛ فهو لا يقدّم حكاية متخيلة منفصلة عن الواقع، ولا يكتفي بسيرة ذاتية محصورة في التجربة الفردية، وإنما يوظف اليوميات والذكريات الإنسانية لاستحضار سياق تاريخي واجتماعي أوسع. وهكذا يتحول البيت القديم، بما يختزنه من علاقات ووقائع وتفاصيل، إلى فضاء تتقاطع فيه مصائر الأفراد مع تحولات الوطن، وتصبح الحياة العائلية مدخلا لفهم تاريخ الذهنيات والقيم التي أسهمت في تشكيل المجتمع الجزائري.
من ذاكرة الأسرة إلى التّاريخ الاجتماعي
توضّح زهور ونيسي في تمهيد الكتاب أن فكرة كتابة هذا العمل انطلقت من رغبتها في تدوين يوميات حياة أخواتها، وهي تتوسطهن من حيث الميلاد، لما تختزنه تلك الحياة من أحداث ووقائع تتجاوز التفاصيل العائلية العابرة. وترى الكاتبة أن هذه التجارب تنطوي على مضامين اجتماعية وفلسفية وسياسية تستحق التحليل، بما يتيح فهم المجتمع الذي عاشته وتعيشه، وإقامة المقارنة بينه وبين مجتمعات أخرى.
وتمنح هذه الرؤية العمل بعدا يتجاوز استعادة الحنين إلى الماضي؛ فالأحداث، في تصور الكاتبة، لا تنفصل عن المجتمع الذي تقع فيه، ولا عن سياقات الزمان والمكان والمرجعيات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية التي تمنحها معناها. ومن هذا المنطلق، تشدّد على أهمية استحضار التاريخ في النصوص الأدبية الحديثة، معتبرة أن الإبداع المنفصل عن تاريخ الإنسان يظل مبتورا عن أحد أهم مكوناته.
وفي قلب هذه الحكاية تبرز الأخوات الخمسة، كنماذج تحمل سمات اجتماعية وفكرية متباينة، تتكامل فيما بينها لتقدم صورة عن تعدد التجارب داخل الأسرة الجزائرية الواحدة، تبرز “لالا جيلة”، والدة خالد، بوصفها نموذجا للمرأة المتعلمة والواعية التي جعلت من محاربة الأمية والجهل مسارا في حياتها، في امتداد للنهضة الفكرية والإصلاحية التي عرفتها الجزائر، ولدور التعليم في مواجهة سياسة التجهيل الاستعمارية.
وفي المقابل، تجسّد “ميمي”، والدة أمين، جانبا من التطلع إلى الجمال واللباس العصري والإقبال على الحياة، بينما تعكس “زازا”، والدة لطفي، روح التمرد والانطلاق والقدرة على مواجهة الألم بروح ساخرة.
أمّا “نينة”، والدة حمزة، فتجسّد – بصمتها وصبرها – وجها آخر من وجوه التجربة النسائية، في حين تمثّل “زوزو”، وهي زهور ونيسي نفسها، الصوت السردي الذي يجمع شتات الذاكرة ويعيد تشكيلها في حكاية واحدة.
ومن خلال هذا التنوع، تتشكّل صورة المرأة الجزائرية بعيدا عن النماذج الأحادية؛ فالاختلاف بين الأخوات لا ينفي ما يجمعهن من روابط أسرية ومرجعيات مشتركة، وإنما يكشف عن تعدد الاستجابات الفردية لظروف اجتماعية وتاريخية واحدة. وهكذا تغدو الأسرة صورة مصغرة لمجتمع تتجاور داخله أنماط مختلفة من التفكير والتطلع والصبر والمقاومة.
البيت القديم.. ذاكرة المكان وملامح الهويّة
يحتل المكان موقعا بارزا في العمل، فلا يظل مجرد خلفية تجري فيها الأحداث، وإنما يتحول إلى عنصر فاعل في تشكيل الذاكرة واستحضار تفاصيل الحياة الجزائرية. ويبرز في هذا السياق حضور أحياء مثل سيدي جليس والقصبة، بما تختزنه من صور وملامح تستحضر الحياة اليومية والعلاقات الاجتماعية والتقاليد المتوارثة.
وتعيد هذه التفاصيل بناء مشاهد من الحياة الشعبية، من بينها باعة اللبن القادمين من جبل الوحش، ودلاء النحاس اللامعة، وغيرها من الصور التي تمنح المكان حضورا حسيا وتعيد وصل القارئ بأجواء زمن مضى. وعلى الرغم من بساطة هذه المشاهد، فإنّها تكتسب دلالتها من ارتباطها بأنماط العيش والاقتصاد المحلي والعلاقات الاجتماعية التي نسجها السكان داخل أحيائهم.





