شدني في حياة الراحل محمد حسنين هيكل، كتابه «بين الصحافة والسياسية»، الصادر عن دار الشروق، كنت اقتنيته من الصالون الدولي للكتاب قبل 3 سنوات أو أكثر. وما يشد أكثر للكتاب مقدمته التي لخص فيها هيكل واقع الدول العربية بنظرة استشرافية، جعلتني أضع ما كتبه الراحل نصب عيني، فقد كان يملك القدرة على تلخيص ما يجري في فقرات في جمل وحتى في كلمات.
تردد الراحل في كتابة الكتاب قائلا «…هذه صفحات حاولت تأجيل كتابتها ونشرها على الرغم من دواع كثيرة سياسية وفكرية – وإنسانية أيضا – كانت تقتضي التعجيل بالكتابة والنشر». وأضاف هيكل في مقدمة الكتاب، «…ولقد صبرت طويلا، لكن السنين غلبتني على أمري، فهي تجري سراعا ولابد – إذا كانت لهذه الصفحات قيمة – أن تصدر بينما جميع الأطراف في الموضوع – على قيد الحياة يملكون فرصة الرد إذا شاءوا، وبأيّ وسيلة يختارون».
لقد لبّى الراحل نداء التاريخ والضمير لكتابة هذا الكتاب الذي يعد مرجعا في العلاقة بين الإعلام والسياسة. وكتب هيكل حول نفس الكتاب «…وموضوع هذا الكتاب في الحقيقة يتعرض لواحدة من أغرب القصص في علاقة السياسة بالصحافة في مصر على امتداد الفترة التي تلت الحرب العالمية الثانية وحتى الآن. وهي قصة أرادوا لها أن تُنسى وأن ينزل عليها ستار حتى لا تظهر مقاصد أو تبين أغراضا، مازالت تسعى بين الناس،ومازال أثرها محسوسا في نبض كل يوم».
كان الرجل شديد التمسك بمهنة الصحفي، فرغم كل المناصب التي تولاها إلا أنه عندما يتحدث، كان يرتاح دائما لمهنة الصحفي، بالنظر للحرية الكبيرة التي تمنحها هذه الصفة. وأضاف في مقدمته، عندما يتحدث عن واقع الصحافة والسياسة في الوطن العربي والعالم الثالث بصفة عامة، مؤكدا «لا أظنني في حاجة – خلال هذه المقدمة – إلى التشديد على خطورة العلاقة بين السياسة والصحافة – والإعلام بصفة عامة – خصوصا في بلدان العالم الثالث».
واسترسل يقدم المبررات التي حكم بها على العلاقة بين الصحافة والسياسة قائلا، «العلاقة بين السياسة والإعلام معقدة في كل الدنيا وهي في دنيانا – دنيا العالم الثالث – أكثر تعقيدا، فالعلم الحديث في معظم بلداننا منقول والتجديد مظاهر مستعارة، لأن التغريب بالتقليد سهل والتجديد الأصيل مشقة». وتعكس هذه العبارات إلمام الراحل بخفايا السياسة وسبلها التضليلية والتي لا يمكن للإعلامي أن يسكت عنها.
وواصل الحديث عن أسباب تخلف الأمة والعالم الثالث ورغبة الساسة في السيطرة على وسائل الإعلام موضحا»… وهكذا فإنه حتى وسائل التنوير – يمكن أن تتحول في أيدينا إلى أدوات تعتيم؟ كما أن وسائل وأدوات التطور والنمو والازدهار والأمن، يمكن أن تصبح لها عندنا استعمالات تختلف عن الهدف الذي قصده هؤلاء الذين سخّروا لصنعها ما توصلوا إليه من علوم وتكنولوجيا».
ولتوضيح الرؤى أكثر وتبسيط ما كان يحاول الوصول إليه، ضرب مثالا لا ينسى، عندما ربط الإعلام بالسلاح وشبّهه بطريقة تعكس تجربة الرجل وقدرته على تفسير الخلفيات التي تحكم مختلف السلطات وكتب يقول: «…وعلى سبيل المثال فإن ما ينطبق على الإعلام – في دنيا العالم الثالث – ينطبق على السلاح… والعالم العربي بالذات يشتري في كل سنة من السلاح ما تبلغ قيمته ما بين خمسة وثلاثين إلى أربعين بليونا من الدولارات (من 10 إلى 12 من المائة من الناتج القومي). ولكن السلاح في بلدان العلم والتجديد للدفاع عن النفس. وأما في أيدينا فإن السلاح لقهر النفوس… لقمع الداخلي وليس لعدو خارجي، خصوصا في فترات تختلط فيها الأمور، حتى أننا لا نستطيع أن نحدد من هو العدو؟».
وقام الراحل في كتابه، الذي صدرت طبعته الأولى في 2003 بالقاهرة، باستشراف حال الأمة بعد انتشار القهر في ظل غياب مشروع قومي يلتقي فيه الجميع، مؤكدا: «…وعندما تختلط الأمور فإن ما يضيع ليس هو العلم والتجديد فقط. وإنما يضيع الحلم الوطني والقومي ولا يكون هناك بديل غير القمع والقهر. وكنت أقول دائما إنه عندما يضيع الحلم فإن الأنظمة لا يعود أمامها غير طريق واحد بدايته قناة تلفزيونية أو محطة إذاعة أو جريدة ونهايته دبابة أو مدفع أو طائرة؟».
ودافع هيكل عن الصحافيين الذين يهددون إذا قالوا الحقيقة من خلال كتابته، «…إذا عجزت الأنظمة عن تطويع إرادة الناس بالكلام تولّى السلاح مهمة إخضاعهم بالنار».
وتبقى كتابات الراحل محمد حسنين هيكل تراثا مشتركا لكل المثقفين العرب يجب أن نعود لها لفهم ما حدث ونستلهم الحلول لمعضلاتنا، لأن تصحيح أخطائنا يمكن أن يفتح لنا أبواب النجاح على مصراعيها.


