لوحات تراثية ترسم وحدة الهوية وعمق الانتماء إلى الوطن
الساحات ودور الثقافـــة فضاءات مفتوحة لمآثــر الأجـداد
من البليدة إلى تلمسان، ومن بومرداس إلى البيض، عاشت ولايات الجزائر على مدار الأيام الماضية أجواءً استثنائية امتزج فيها عبق التاريخ بأصالة التقاليد، احتفاءً بحلول رأس السنة الأمازيغية الجديدة “يناير 2976” في تظاهرات عكست ثراء الموروث الثقافي الجزائري، وحوّلت الساحات ودور الثقافة إلى فضاءات مفتوحة تروي قصص الأجداد وتغرس قيم الأرض في نفوس الأجيال الصاعدة.
انطلقت الاحتفالات برأس السنة الأمازيغية “يناير 2976” بزخم كبير من قلب ولايات وسط البلاد، حيث تحوّلت البليدة وعين الدفلى إلى منابر ثقافية مفتوحة احتفاءً بهذه المناسبة، وقد شهدت هاتان الولايتان انطلاق معارض فنية وتراثية كبرى، ضمت أجنحة خاصة بالصناعات التقليدية والحرف اليدوية، إلى جانب تنظيم “قعدات” شعبية تحاكي جلسات الأجداد، في مسعى يهدف – حسب المنظمين – إلى ترسيخ هذا الموروث اللامادي في وجدان الجيل الصاعد وتجديد التمسّك بأصالة التراث الجزائري العريق.
واحتضنت الشلف معرض “مائدة يناير” المقام بدار الثقافة، وشهد إقبالاً منقطع النظير من قبل الجمهور المحلي الذي توافد لاكتشاف أسرار العادات “الشلفية” والجزائرية العريقة، وتميزت هذه الفعالية بمشاركة واسعة للجمعيات الناشطة في المجال الثقافي والاجتماعي، حيث تحوّل المعرض إلى فضاء حي للتلاقي بين مختلف شرائح المجتمع، ما أضفى بعداً إنسانياً عميقاً على الاحتفالية، مكّن الزوار من التعرف عن قرب على تفاصيل الحياة اليومية للعائلة الجزائرية وهي تستقبل عامها الجديد.
وقد شكّل الشقّ المخصص للطبخ التقليدي النواة الصلبة لهذه الاحتفالات، حيث تصدرت أطباق “الكسكسي” و«العيش” و«الشرشم” المشهد، وهي أطباق ترتبط رمزياً بالأرض وقيم الوفرة والبركة، كما زينت حلويات “الطمينة” و«البغرير” طاولات العرض، إلى جانب قعدة “الدراز” الشهيرة التي تلم شمل العائلات حول تشكيلة متنوعة من المكسرات والفواكه الجافة، في مشهد جمالي يجسّد الكرم الجزائري الأصيل والارتباط الوثيق بخيرات الأرض التي تجود بها الطبيعة كل عام.
وشهدت ولاية بومرداس انطلاق أسبوع ثقافي حافل، تحولت فيه دار الثقافة “رشيد ميموني” إلى وجهة وطنية بامتياز من خلال استقطاب نحو 60 حرفياً وحرفية قدموا من ست ولايات مختلفة، إضافة إلى مشاركة أزيد من 20 جمعية ناشطة، فتحوّل الفضاء الثقافي إلى خلية نحل تعجّ بالحياة، وتفنن المشاركون في عرض إبداعاتهم التي شملت صناعة الأواني النحاسية والفخارية، والفن التشكيلي الأمازيغي، إلى جانب أجنحة خاصة بالمنتجات الفلاحية الأصيلة كالزيتون والعسل، ما عكس العلاقة الوطيدة التي تربط بين “يناير” والأرض وما تجود به من خيرات.
وفي ركن آخر من الاحتفالية، برز اللباس التقليدي كأحد أهم ركائز الهوية المعروضة، حيث خطفت “الجبة القبائلية” النسوية، والبرنوس الرجالي، الأنظار بتصاميمهما الأصيلة التي تقاوم رياح العصرنة.
وبالتوازي مع هذه المعارض المركزية، بادرت فعاليات مجتمعية ببلدية “أعفير”، على غرار جمعية “بني سليم”، إلى تنظيم لوحات فنية وعروض تراثية تحاكي رمزية “يناير” كبداية للتقويم الجديد؛ حيث اجتمعت العائلات حول أطباق الكسكسي بالدجاج والرشتة، وسط أجواء احتفالية توارثتها الأجيال لترسيخ قيم البركة والإنتاج الوفير في الوجدان الجمعي الجزائري.
وفي ولاية تيزي وزو، حافظت العائلات على طقوسها الضاربة في القدم، حيث اجتمعت حول طبق “الكسكسي بسبعة مكونات” وحساء “افتيان”، مع تحضير الفطائر المحلاة بالعسل تيمناً بسنة “حلوة” ومليئة بالنعمة. وبدورها، شهدت البويرة برنامجاً غنياً شمل عروضاً مسرحية ومهرجانات للملابس التقليدية.
ولم تقتصر الاحتفالات في بجاية على الجانب الفلكلوري فحسب، بل اتخذت بعداً أكاديمياً من خلال لقاء “يناير من التراث إلى العلم”، حيث سلّط المختصون الضوء على فوائد الممارسات الفلاحية التقليدية ودور المرأة الريفية في حماية البيئة ونقل الخبرات العلمية المتوارثة.
قوافل ثقافية.. سينما التاريخ
فمن مستغانم، انطلقت قافلتا “المرشد الثقافي” و«الكتاب” لإيصال رمزية يناير إلى المدارس وذوي الاحتياجات الخاصة.،أما في سعيدة، فقد امتزج الاحتفال بالسينما عبر عرض فيلم “للالا فاطمة نسومر”، تأكيداً على البعد التاريخي للمناسبة، ويبقى لولاية تلمسان، وتحديداً منطقة “بني سنوس”، بصمتها الخاصة عبر كرنفال “أيراد” الشهير، وهو التقليد يعود لتاريخ سحيق، يجسد فيه الشباب أقنعة الأسود واللبؤات في عروض مسرحية تجوب الأزقة (أيرادية الدروب) والبيوت، وسط إيقاعات “الدربوكة” وأهازيج أمازيغية أصيلة، كما برزت عادة “الطبيقة” التي يوضع فيها رضيع العائلة وسط المكسرات تفاؤلاً بالبركة، بينما يتألق اللباس التقليدي السنوسي المطرز بالحرير الأبيض كشاهد على عراقة المنطقة.
وبالانتقال إلى ولايات الغرب، شهدت سيدي بلعباس ومستغانم وسعيدة نشاطات نوعية تهدف إلى تعزيز التلاحم الوطني، منها تنظيم نشاطات تربوية واجتماعية تهدف تلقين الناشئة قيم الهوية الأصيلة، ففي مستغانم، انطلقت قافلتا “المرشد الثقافي” و«الكتاب” لتجوبا المدارس والمراكز البيداغوجية لذوي الاحتياجات الخاصة، حاملةً معها رمزية “يناير” كإرث مشترك يربط الماضي بالحاضر، بينما احتضنت سيدي بلعباس “القبة السماوية” ورشات فنية للأطفال استلهمت مضامينها من الرموز الأمازيغية، بينما اختارت ولاية سعيدة البعد السينمائي عبر عرض فيلم “للالا فاطمة نسومر” وشريط وثائقي حول تقاليد المنطقة، في خطوة تؤكد على العمق التاريخي لهذه المناسبة وربطها برموز المقاومة الوطنية.
أما ولاية تلمسان فقد حافظت منطقة “بني سنوس” على بريقها الخاص من خلال كرنفال “أيراد” الشهير، وهو طقس احتفالي ضارب في القدم يتحوّل فيه شباب المنطقة إلى فنانين مسرحيين، يرتدون أقنعة الأسود واللبؤات ويجوبون أزقة القرى فيما يعرف بـ«أيرادية الدروب”، أو يدخلون البيوت في “أيرادية تدرت”. وتتعالى في هذه الأجواء إيقاعات “الدربوكة” و«البندير” مع أهازيج شعبية مميزة، حيث ترمز هذه العروض التنكرية إلى القوة والشجاعة والتفاؤل بوفرة المحاصيل الفلاحية، ما يخلق مشهداً فرجوياً فريداً يمزج بين الأسطورة والواقع.
ولا تكتمل لوحة “يناير” في بني سنوس دون الطقوس العائلية التي تضفي دفئاً خاصاً على البيوت؛ إذ برزت عادة “الطبيقة” المصنوعة من الحلفاء، والتي يوضع في وسطها رضيع العائلة محاطاً بمختلف أنواع المكسرات والفواكه المجففة، في حركة رمزية تيمناً بالبركة والخير الوفير. وتتألق النساء في هذه المناسبة باللباس التقليدي السنوسي المصنوع من الحرير الأبيض والمطرز بخيوط ملونة زاهية، يرافقه “البرنوس” والحلي الفضية العريقة. هذا الموروث المادي الذي يحرص “المركز التفسيري للباس التقليدي” بتلمسان على صونه، يظل شاهداً حياً على عراقة المنطقة وجزءاً لا يتجزأ من الهوية الجزائرية التي تتوارثها الأجيال بكل فخر.
احتفال مبهر بقصر الحاج أحمد باي
شكّلت المعارض المقامة داخل أروقة قصر الحاج أحمد باي بقسنطينة، واجهة غنيّة للتعريف بالموروث الأمازيغي، حيث تنوّعت المعروضات بين الصناعات التقليدية، الأزياء، الحلي الفضية، الأواني الفخارية، إلى جانب الأكلات التقليدية المرتبطة بطقوس يناير، في لوحة جذبت العائلات والزوار من مختلف الأعمار، كما ميّزت التظاهرة ورشات حيّة أطرها حرفيون، قدّموا شروحات حول تقنيات الحرف التقليدية، محوّلين الفضاء التاريخي إلى مدرسة مفتوحة للتعلّم والتفاعل، خاصة لفائدة الأطفال والشباب.
وفي تصريح لـ«الشعب”، أكدت مديرة قصر الحاج أحمد باي، مريم قبايلية، أن هذه التظاهرة تندرج في إطار تثمين التراث الثقافي الوطني، وإبراز مكانة الموروث الأمازيغي كأحد ركائز الهوية الجزائرية، وأضافت قبايلية أن “الاحتفال بيناير داخل القصر لا يقتصر على الطابع الاحتفالي، بل يهدف إلى جعل هذا الصرح التاريخي فضاءً حيّاً للتفاعل الثقافي، يلتقي فيه المواطن مع تاريخه في قالب معاصر”، مشدّدة على أهمية إشراك الحرفيين والجمعيات في مثل هذه المبادرات لضمان استمرارية التراث ونقله للأجيال القادمة.
من جهتهم، عبّر الحرفيون المشاركون عن اعتزازهم بالمشاركة في هذه التظاهرة، في مقدمتهم الحرفي (ع. ب)، مختص في الصناعات الفخارية، والذي أوضح أن “الاحتفال بيناير داخل فضاء تاريخي بحجم قصر الحاج أحمد باي يمنح للحرفة قيمة رمزية كبيرة، ويشجّعنا على مواصلة نقل هذا الموروث للأجيال الصاعدة”، بدورها، أكدت الحرفية (ف. م)، المتخصصة في صناعة الحلي الفضية، أن مثل هذه التظاهرات “تُخرج الحرفي من العزلة، وتتيح له التواصل المباشر مع الجمهور، خاصة الشباب، ما يساهم في حماية الحرف التقليدية من الاندثار”.







